بعد 40 عملية و53 عامًا من الألم.. بطل أكتوبر حمدي محمد مهدي يناشد الرئيس السيسي: «أمنيتي أقابلك قبل فوات الأوان»

 


بقلم سها البغدادي

هناك أبطال لا تنتهي حكاياتهم بانتهاء المعركة، بل تبدأ بعدها رحلة أخرى من الألم والصبر والوفاء.

من بين هؤلاء يقف حمدي محمد مهدي، خريج كلية الزراعة بجامعة عين شمس عام 1969، وأحد رجال القوات المسلحة الذين حملوا أرواحهم على أكفهم في حرب أكتوبر المجيدة، قبل أن يعود من المعركة بجسد أنهكته الإصابة، لكنه لم يفقد إيمانه بوطنه ولا فخره بما قدمه.

اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر، يحمل الرجل في جسده شظايا المعركة، ويحمل في ذاكرته مشاهد لا يستطيع الزمن أن يمحوها، بينما يختصر أمنيته في طلب واحد:

«نفسي أقابل الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل فوات الأوان.»

من كلية الزراعة إلى صفوف القوات المسلحة

يقول حمدي محمد مهدي إنه تخرج في كلية الزراعة بجامعة عين شمس عام 1969، وفي أعقاب نكسة يونيو 1967 صدر قرار بتجنيد أصحاب المؤهلات للمشاركة في القوات المسلحة، فكان واحدًا من الذين التحقوا بالخدمة العسكرية.

ويشير إلى أن خمسة أشقاء اجتمعوا في صفوف القوات المسلحة، وكان أصغرهم ضابطًا بالقوات المسلحة.

وفي 10 سبتمبر 1969 بدأ حمدي رحلته العسكرية بسلاح المدرعات، حيث خضع لتدريبات مكثفة للانتقال من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية، ثم التحق بمدرسة المدرعات للتدريب على الدبابات.

وبعد ذلك، جرى توزيع المجموعة على تشكيل جديد ليكون نواة للواء مدرع، قبل أن يتم تزويده بدبابات حديثة نسبيًا، من بينها دبابات T-62.

وكان التشكيل هو اللواء 25 مدرع مستقل، الذي كان يخضع لقيادة القوات المسلحة، وينتظر لحظة التحرك وفقًا لتعليمات القيادة.

27 سبتمبر.. الرحيل إلى جبهة القتال

في 27 سبتمبر 1973 تحرك اللواء من القاهرة، بعدما أصبحت الدبابات في أعلى درجات الاستعداد.

وصلت القوات إلى منطقة تبعد نحو 25 كيلومترًا عن قناة السويس، وهناك بدأ الانتظار الأصعب.

كان الجميع يعلم أن لحظة المواجهة تقترب، لكن لا أحد يعرف متى ستأتي ساعة الصفر.

يقول حمدي إن الأيام التي سبقت السادس من أكتوبر مرت ثقيلة على الجنود والضباط، فقد كان داخل كل مقاتل رغبة في محو آثار نكسة 1967 واستعادة الأرض والكرامة.

«ساعة الصفر».. اللحظة التي انتظرها الجميع

في السادس من أكتوبر 1973، جاءت اللحظة المنتظرة.

يقول حمدي إن قائد الكتيبة أبلغه بأن ساعة الصفر تحددت، فانفجرت الفرحة بين الجنود، خاصة أن وحدتهم كانت ضمن القوات التي ستتحرك للعبور بعد فتح الثغرات في خط بارليف.

ثم جاءت اللحظة التي لم ولن ينساها.

هدير الطائرات المصرية في السماء، ودوي المدفعية على امتداد الجبهة، ثم عبور رجال القوات المسلحة قناة السويس واقتحامهم تحصينات خط بارليف.

كانت مصر كلها تتحرك في اتجاه واحد: استرداد الأرض.

لقاء أخير مع شقيقه الشهيد

لكن بين أفراح العبور كانت هناك لحظات تختبئ فيها الأحزان.

في صباح السابع من أكتوبر، وصل إلى حمدي نداء من الرائد سمير حسني يخبره بأن شقيقه الرائد الشهيد عزت محمد مهدي حضر من وحدته ليودعه ويسلم عليه.

نزل حمدي من دبابته، والتقى شقيقه.

لم يكن أحد منهما يعرف أن تلك ستكون المرة الأخيرة.

يقول حمدي إن اللقاء كان سلامًا عاديًا بين شقيقين يعتقد كل منهما أنه سيعود ليلتقي الآخر.

لكن القدر كان له رأي آخر.

استشهد شقيقه في 22 أكتوبر 1973.

الإصابة.. وحيدًا داخل الدبابة

وفي 16 أكتوبر، تلقى حمدي تعليمات بالتحرك للمشاركة في مواجهة الثغرة.

كانت المعركة عنيفة.

وخلال القتال تعرضت دبابته لإصابة بصاروخ إسرائيلي، فأصيب إصابات بالغة في الجانب الأيمن من جسده، وأصابت الشظايا ذراعه وساقه.

يقول إن الإصابة أفقدته القدرة على رفع ذراعه، ثم سقط داخل الدبابة ودخل في غيبوبة استمرت ساعات.

وعندما أفاق، كان أول ما شعر به هو العطش الشديد.

بحث عن الماء، ثم سمع أحد زملائه يستغيث طالبًا جرعة ماء.

حاول أن ينادي زملاءه، لكن لم يجبه أحد.

ومع طلوع النهار اكتشف الحقيقة المؤلمة:

اثنان من زملائه داخل الدبابة استشهدا.

وحين حاول الخروج، وجد زميلًا آخر كان قد استغاث بالماء وقد فارق الحياة.

في تلك اللحظة، كما يروي، نظر إلى السماء، وشعر بالحزن لأنه بقي حيًا بينما نال رفاقه الشهادة.

خمسة دبابات إسرائيلية تحاصر الجندي المصري

ظل حمدي داخل دبابته حتى 20 أكتوبر، وسط الألم والجراح والدماء.

ثم سمع أصواتًا حوله.

رفع رأسه ليجد خمس دبابات إسرائيلية تحيط بدبابته.

طلبوا منه النزول، فأخبرهم أنه لا يستطيع بسبب إصاباته.

فنزل عدد من الجنود الإسرائيليين، ووضعوا أسلحتهم في اتجاهه، ثم حملوه على نقالة ونقلوه بعيدًا عن الدبابة.

وخلال أسره، دار حوار بينه وبين قائد إحدى الدبابات الإسرائيلية، سأله خلاله عن سبب قتاله.

وكان رد حمدي واضحًا:

«أحارب لأن سيناء أرضي وأرض بلدي.»

وعندما سأله منذ متى يعتقد أنها أرضه، جاء رده بما يلخص انتماءه للأرض والوطن:

«سيناء تخصني وتخص بلدي، والاحتلال مهما طال لا يستطيع أن يغير حقيقة الأرض.»

أسير.. لكنه لم يستسلم

نُقل حمدي إلى منشأة طبية، ثم إلى مدينة الرملة، حيث تلقى العلاج وسط مجموعة من الأسرى المصريين.

ويقول إنه خضع خلال رحلة علاجه لعمليات جراحية عديدة، وإنه ظل يعاني من آثار إصاباته حتى اليوم.

وخلال فترة الأسر، يروي واقعة أخرى عندما رفض أحد الممرضين تلبية طلبه، ما دفعه إلى الامتناع عن تناول الطعام احتجاجًا على المعاملة التي تعرض لها.

وبحسب روايته، تدخل مسؤولو المستشفى، وانتهى الأمر بمعاقبة الممرض بخصم خمسة أيام من راتبه.

15 نوفمبر.. العودة إلى مصر

استمرت فترة الأسر إلى أن جاءت لحظة تبادل الأسرى.

وفي 15 نوفمبر 1973 عاد حمدي إلى مصر ضمن الأسرى الذين تم الإفراج عنهم، ويقول إن طائرته كانت من أوائل الطائرات التي هبطت في مصر.

عاد إلى وطنه، لكن الحرب لم تنته بالنسبة إليه.

فقد حمل جسده آثارها معه.

ويقول إنه خضع لأكثر من 40 عملية جراحية، وكانت آخر عملية له عام 2003، وما زالت الشظايا مستقرة في جسده حتى الآن، وفق روايته.

«زوجتي سندي وظهري»

وراء هذا البطل امرأة لم تتركه وحده في رحلة الألم.

يتحدث حمدي عن زوجته باعتبارها السند الحقيقي له، ويؤكد أنها رافقته وتحملت معه رحلة العلاج، وكانت تسافر كل شهرين للحصول على العلاج من مستشفى القوات المسلحة بكوبري القبة، رغم معاناتها الصحية هي الأخرى بعد تعرضها لحادث دراجة نارية ووجود شرائح ومسامير في ساقها.

يقول عنها:

«زوجتي سندي وظهري، وهي تستحق كل تكريم.»

ويؤكد أنه راضٍ بقضاء الله، وأن لديه أبناء وأحفادًا، بينما يذكر في حديثه أنه شخصيًا لم يُرزق بأبناء، لكنه يقول:

«راضي بقضاء الله.. الحمد لله على كل شيء.»

أمنية البطل الأخيرة: «نفسي أقابل الرئيس السيسي»

بعد سنوات طويلة من الألم والعلاج والذكريات، لم يطلب حمدي مالًا ولا منصبًا ولا مكافأة.

يقول إن أمنيته التي يحلم بتحقيقها هي أن يلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ليس من أجل طلب شخصي، كما يقول، وإنما لأنه يريد أن يروي للرئيس بنفسه قصة جيل حارب من أجل استعادة الأرض، وقصة شقيقه الشهيد، وقصة رفاقه الذين تركوا أرواحهم على أرض سيناء.

ويقول حمدي:

«أمنية حياتنا نقابل الرئيس السيسي قبل فوات الأوان.»

إنها أمنية بسيطة في كلماتها، لكنها ثقيلة بما تحمله من سنوات.

سنوات من الحرب، والأسر، والعمليات الجراحية، والشظايا التي ما زالت تسكن جسده، وذكريات رفاق لم يعودوا.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي يوجهه هذا البطل إلى من يقرأ قصته:

هل يمكن أن تصل صرخة أحد أبطال أكتوبر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، فيتحقق حلم لقاء طال انتظاره؟

حمدي محمد مهدي.. أحد أبناء جيل أكتوبر الذين لم تنتهِ معركتهم بانتهاء الحرب، لأن بعض المعارك تظل داخل الجسد والذاكرة حتى آخر العمر.


تعليقات