![]() |
| الكاتبة سها البغدادي والخلفية العميلة المزدوجة دلال رستم |
بقلم سها البغدادي
ليست كل الخيانات تبدأ بكراهية الوطن...
أحيانًا تبدأ الخيانة من جرح.
وهذه هي المفارقة الأكثر قسوة في قصة دلال رستم؛ المرأة التي دخلت عالم الموساد، ولم تكن تعرف في البداية أن الطريق الذي تسير فيه سيقودها يومًا إلى أكثر لحظة قسوة يمكن أن تعيشها امرأة...
لحظة تكتشف فيها أن المعلومات التي قدمتها للعدو، والتي ظنت أنها تنتقم بها من وطن أغضبها، قد عادت إليها في صورة جثمان شقيقها.
بحسب الروايات المنشورة عن قصتها، كانت دلال تنتمي إلى أسرة ثرية فقدت جانبًا كبيرًا من مكانتها وثروتها بعد التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر في تلك الحقبة. تركت هذه التجربة داخلها غضبًا وشعورًا بالظلم، ومع وفاة والديها أصبحت هي وشقيقها عاصم في مواجهة حياة مختلفة تمامًا عن الحياة التي عرفتها الأسرة من قبل.
وهنا بدأ الخطر الحقيقي...
لم يبحث الموساد فقط عن شخص يستطيع التجسس، بل بحث عن إنسانة تحمل جرحًا يمكن استغلاله.
كانت دلال مثقفة وتجيد لغات أجنبية، وعاشت فترة خارج مصر، وهناك دخلت في دوائر اجتماعية فتحت أمامها الطريق إلى شخص ارتبط اسمه في الروايات المنشورة بشبكة تجسس يقودها «آدم نعمان».
لم يبدأ الأمر بالنسبة إليها بصورة «خيانة وطن».
وهذه أخطر نقطة في القصة.
فالإنسان عندما يكون غاضبًا، ويشعر أنه تعرض للظلم، قد يأتيه من يقنعه بأن المشكلة ليست في اختياراته هو، وإنما في وطنه كله.
ثم تتحول مشاعر الغضب إلى رغبة في الانتقام...
والانتقام إلى مبررات...
والمبررات إلى تعاون...
ثم يجد الإنسان نفسه، خطوة وراء خطوة، في المكان الذي لم يكن يتصور يومًا أنه سيصل إليه.
عادت دلال إلى مصر، وبدأت ـ وفق الروايات المتداولة ـ في نقل معلومات إلى الشبكة التي تعمل لحساب الموساد، حتى وصلت المهمة إلى جمع معلومات عن عناصر وعمليات مرتبطة بما عُرف آنذاك بـ«منظمة سيناء» والفدائيين العاملين ضد الاحتلال.
لكن القدر كان يخبئ لها المفاجأة التي ستنسف كل الأكاذيب التي أقنعت بها نفسها.
شقيقها عاصم كان من رجال الصاعقة المرتبطين بتلك العمليات.
وفجأة أصبح الوطن الذي كانت تظن أنها تنتقم منه هو المكان الذي يحتمي فيه شقيقها...
والعدو الذي كانت تمده بالمعلومات أصبح هو نفسه العدو الذي يواجه أخاها.
ثم جاءت اللحظة التي لم تستطع دلال الهروب منها.
وصلها نبأ استشهاد عاصم.
وتقول الروايات المنشورة إن دلال أدركت أن المعلومات التي ساهمت في نقلها إلى الموساد كانت مرتبطة بالعملية التي استُهدف خلالها شقيقها ورفاقه.
هنا سقط القناع.
لم تعد القضية بالنسبة إليها أموالًا...
ولا ثأرًا من نظام...
ولا غضبًا من الماضي...
ولا حياة أفضل في الخارج.
أصبح أمامها سؤال واحد فقط:
ماذا فعلت بأخي؟
الإنسان يستطيع أن يكذب على الآخرين...
وقد يستطيع أن يكذب على نفسه سنوات...
لكن من الصعب أن يكذب أمام صورة أخ أو ابن أو أم دفعوا حياتهم ثمنًا لخطأ ارتكبه هو.
وفي تلك اللحظة ـ بحسب الروايات المنشورة ـ انهارت دلال، وقررت الاعتراف للمخابرات المصرية بكل ما تعرفه عن الشبكة، بدلًا من الاستمرار في الطريق الذي بدأته.
وهنا أخذت القصة منحنى آخر.
فبدلًا من أن تنتهي الحكاية باعتراف امرأة بجريمتها فقط، تذكر الروايات أن المخابرات المصرية استفادت من معلوماتها، وأنها تحولت إلى عميلة مزدوجة تعمل لصالح مصر ضد الشبكة التي كانت تعمل معها، وتساعد في كشف عناصرها وإفشال مخططاتها.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة في قصة دلال رستم:
المرأة التي استغل الموساد جرحها حتى جعلها أداة في يده، أصبحت بعد صدمتها أداة لضرب الشبكة نفسها.
لكن ذلك لم يمحُ الماضي.
فحتى لو استطاع الإنسان أن يكفّر عن خطئه...
لا يستطيع أن يعيد الزمن إلى الوراء.
لا يستطيع أن يطرق باب أخيه ويقول له:
«سامحني... لم أكن أعرف أن المعلومات التي أعطيتها لهم ستصل إليك.»
ولا يستطيع أن يعيد لحظة واحدة من حياة إنسان فقد حياته.
ولهذا فإن قصة دلال رستم ليست مجرد قصة جاسوسة...
إنها قصة كيف يمكن للغضب أن يتحول إلى فخ.
وكيف يستطيع العدو أن يدخل إلى الإنسان من الباب الذي يتركه مفتوحًا بنفسه.
قد يكون الباب هو المال...
أو الانتقام...
أو الشعور بالظلم...
أو الرغبة في إثبات الذات...
لكن أخطر الأعداء ليس من يقف أمامك بالسلاح.
أخطرهم من يجعلك تستخدم جرحك ضد نفسك، ثم يقنعك أنك تنتقم لكرامتك.
دلال لم تستيقظ عندما بدأ التجنيد...
ولم تستيقظ عندما نقلت المعلومات...
ولم تستيقظ عندما أصبحت جزءًا من شبكة تجسس.
استيقظت عندما جاءها ثمن الخيانة في صورة شقيقها.
وهنا تصبح القصة رسالة تتجاوز الجاسوسية نفسها:
لا تسمح لأحد أن يحوّل غضبك من خطأ أو ظلم أو تجربة مؤلمة إلى كراهية لوطنك.
فالأنظمة تتغير...
والأشخاص يرحلون...
والأخطاء يمكن إصلاحها...
لكن الوطن لا ينبغي أن يتحول إلى عدو في عين المواطن بسبب جرح شخصي.
وإذا كان هناك درس أقسى في قصة دلال رستم، فهو أن العدو لا يحتاج دائمًا إلى أن يصنع الكراهية من الصفر؛ يكفيه أحيانًا أن يجد جرحًا موجودًا بالفعل، ثم يضع يده عليه.
وهكذا بدأت قصة دلال رستم بغضب...
وانتهت بندم.
وبين الغضب والندم...
كان هناك أخ اسمه عاصم دفع حياته ثمنًا لمعلومة لم تعرف شقيقته، في لحظة تقديمها، إلى أين يمكن أن تصل.
وهذه هي المأساة الحقيقية...
أن تعرف الحقيقة بعد فوات الأوان.

تعليقات
إرسال تعليق