أسد سيناء.. المقاتل الذي حارب وحده حتى آخر طلقة

 


 بقلم سها البغدادي 🇪🇬

حين هدأت أصوات المدافع في حرب أكتوبر، لم تكن كل الحكايات قد انتهت. فبينما كانت الجيوش تتقدم في صفوف منظمة، كان هناك رجل واحد يقف في قلب المعركة، محاطًا بالخطر، لكنه لم يتراجع. حمل سلاحه، وتمسّك بإيمانه، وقرر أن يظل يقاتل حتى آخر طلقة.

كان ذلك الرجل هو سيد زكريا خليل، أحد أبطال حرب أكتوبر، الذي عُرف لاحقًا بلقب «أسد سيناء».

في أرض المعركة، واجه سيد العدو بشجاعة استثنائية. ومع اشتداد القتال، وجد نفسه يقاتل بمفرده، لكن وحدته لم تتحول إلى خوف أو استسلام. ظل ثابتًا، يطلق النار دفاعًا عن أرض مصر وكرامتها، وكأن كل طلقة كانت تقول إن سيناء ليست أرضًا متروكة، وإن وراءها وطنًا لا يقبل الانكسار.

ثم انقطعت أخباره.

انتهت المعارك، وعاد كثير من الجنود إلى ذويهم، أما سيد فاختفى أثره، وبقي مصيره مجهولًا لأسرته ورفاقه طوال 23 عامًا. عاش والده وأحباؤه تلك السنوات بين الأمل والقلق؛ ينتظرون عودته، أو خبرًا يضع حدًا لذلك الغياب الطويل.

وفي عام 1996، جاء الخبر من مكان لم يكن أحد يتوقعه. فقد تواصل جندي إسرائيلي سابق مع السفارة المصرية في ألمانيا، وسلّم متعلقات سيد، من بينها سلسلته العسكرية وخطاب كان قد كتبه إلى والده. لم تكن تلك المتعلقات مجرد أشياء شخصية، بل كانت خيطًا يقود إلى الحقيقة، ويكشف ما جرى في الساعات الأخيرة من حياة المقاتل المصري.

روى الجندي أن سيدًا قاتل وحده حتى استشهد، وأنه تمكن خلال معركته الأخيرة من قتل 22 جنديًا إسرائيليًا. ثم قال إنه دفنه بيديه، وأطلق بعد ذلك 21 طلقة تحية تقديرًا لشجاعته. كان مشهدًا نادرًا، يعكس أن بطولة سيد لم يرها رفاقه وحدهم، بل شهد بها خصمه أيضًا، قبل أن تصل حكايته إلى وطنه.

لم يكن سيد يبحث عن مجد أو تكريم. كان يؤدي واجبه، ويتمسك بأرض لم يكن مستعدًا لتركها. وحين انتهت حياته، لم تنته قصته؛ فقد تحولت تضحيته إلى شهادة على قدرة الإنسان على مواجهة الخوف، وعلى أن المقاتل قد يقف وحده في الميدان، لكنه يحمل خلفه وطنًا كاملًا.

وبعد وفاته، حصل على نوط الشجاعة من الدرجة الأولى ووسام نجمة سيناء، تكريمًا لبسالته وتضحياته.

لم يعد سيد زكريا خليل من سيناء كما يعود الجنود إلى بيوتهم، لكنه عاد إلى مصر في صورة أعظم: بطلًا خالدًا، واسمًا محفورًا في ذاكرة الوطن.

رحم الله «أسد سيناء»، وكل أبطال أكتوبر الذين أثبتوا أن الجندي المصري قد يقف وحده، لكنه لا يكون وحيدًا أبدًا؛ خلفه وطن كامل، وقلوب الملايين، وتاريخ لا ينسى.

تعليقات