بقلم سها البغدادي
لم تكن «أم البطل» مجرد أغنية وطنية غنتها مطربة في ذكرى نصر أكتوبر ..
كانت صرخة أم فقدت ابنها، ثم وقفت أمام الملايين تغني عن الفخر به، بينما كان قلبها في الحقيقة ينزف من شدة الاشتياق.
هكذا ولدت واحدة من أكثر الأغنيات تأثيرًا في وجدان المصريين، بصوت الفنانة الراحلة شريفة فاضل، بعد استشهاد نجلها الأكبر الملازم أول طيار سيد السيد بدير، الذي استشهد خلال حرب الاستنزاف قبل انتصارات أكتوبر.
كان سيد ابنها الأكبر وأول فرحتها.
تخرج، وتلقى تدريباته على الطيران في روسيا، ثم عاد إلى مصر ليؤدي واجبه العسكري، قبل أن يرحل شهيدًا، تاركًا خلفه أمًا لم يكن الفقد بالنسبة إليها مجرد خبر عابر، وإنما جرحًا ظل مفتوحًا لسنوات.
وتروي شريفة فاضل أنها توقفت عن الغناء بعد صدمة استشهاد ابنها، ولم تستطع بسهولة أن تعود إلى المسرح.
لكن بعد انتصار أكتوبر، شعرت أن هناك رسالة أخرى يجب أن تصل إلى كل أم فقدت ابنها في سبيل الوطن.
لم ترد أن تغني عن شهيد واحد فقط.. أرادت أن تغني عن كل أمهات الشهداء.
فاتصلت بصديقتها الشاعرة نبيلة قنديل، وطلبت منها أن تكتب أغنية عن الأم التي قدمت ابنها للوطن.
دخلت نبيلة إلى غرفة الشهيد سيد، الغرفة التي ما زالت تحمل ذكرياته، وجلست هناك تستحضر صورته وطفولته وغيابه، ثم خرجت بعد فترة ومعها كلمات الأغنية.
وعندما سمعت شريفة الكلمات، لم تكن أمامها مجرد أغنية..
كانت تسمع صوت ابنها.
وكان المطلع الذي اختصر كل الحكاية:
«ابني حبيبي يا نور عيني»
ثم جاءت الجملة التي تحولت إلى عنوان لحكاية كاملة:
«طبعًا ما أنا أم البطل».
تولى الموسيقار علي إسماعيل تلحين الأغنية، لتلتقي الكلمات واللحن مع صوت أم لا تحتاج إلى التمثيل؛ لأنها كانت تغني تجربتها الحقيقية.
وكان الغناء أصعب من أن تحتمله أم فقدت ابنها.
قالت شريفة فاضل في حوار صحفي إنها كانت تبكي وتتأثر بشدة أثناء تسجيل الأغنية، وإن الفنانة فايزة أحمد طلبت منها ألا تغنيها إذا كانت عاجزة عن تحمل ألمها، لكنها أصرت على تسجيلها.
بل إنها كانت تؤجل الأغنية إلى نهاية حفلاتها، لأنها لم تكن تستطيع الغناء بعدها من شدة تأثيرها عليها.
وهنا تكمن قوة «أم البطل»..
شريفة فاضل لم تكن تغني عن أم شهيد.. كانت أم الشهيد نفسها.
كل كلمة كانت تستدعي وجه ابنها.
كل لحن كان يعيد إليها لحظة غيابه.
وكل مرة كانت تقول فيها «ابني حبيبي يا نور عيني»، كان الجمهور يسمع صوت مطربة، بينما كانت أم في داخلها تنادي ابنها الذي لن يعود.
ولهذا لم تكن الأغنية مجرد عمل فني ارتبط بذكرى أكتوبر، وإنما تحولت إلى ذاكرة شعب عن أمهات الشهداء، وعن ذلك المزيج الصعب بين وجع الفقد وفخر التضحية.
رحل سيد السيد بدير، لكن أمه جعلت صوته لا يغيب.
غنت له..
وغنت لكل أم فقدت ابنًا.
ومنذ ذلك اليوم، كلما جاءت ذكرى أكتوبر، عادت كلمات «أم البطل» لتقول للمصريين إن خلف كل شهيد حكاية أم، وخلف كل نصر قلبًا دفع ثمنه.
رحم الله الشهيد سيد السيد بدير، ورحم كل شهداء مصر.
وبقيت شريفة فاضل في ذاكرة المصريين لا باعتبارها مطربة «أم البطل» فقط..
بل باعتبارها الأم التي حوّلت ألمها إلى أغنية، ودموعها إلى ذاكرة وطن.

تعليقات
إرسال تعليق