«قبلوهم وقبضوا المصروفات ثم طلبوا منهم الرحيل».. أزمة طلاب الطب بالجامعات الأهلية بعد تجاوز أعداد القبول للطاقة الاستيعابية
تحقيق يكشف أزمة جنوب الوادي الأهلية وواقعة شرق بورسعيد.. ومن يتحمل مسؤولية قبول الطلاب فوق الطاقة الاستيعابية؟
تحقيق: سها البغدادي
لم يكن أولياء أمور طلاب جامعة جنوب الوادي الأهلية يتوقعون أن يتحول حلم أبنائهم بالالتحاق بكليات القمة إلى أزمة تهدد استقرار عامهم الدراسي، بعدما استكمل الطلاب إجراءات القبول، وسدد عدد منهم المصروفات، وسلموا الملفات، وبدأوا بالفعل الدراسة، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام خيار التحويل إلى جامعات أهلية أخرى بسبب مشكلة تتعلق بأعداد المقبولين والطاقة الاستيعابية.
القصة التي بدأت بشكاوى واستغاثات من الطلاب وأولياء الأمور سرعان ما تحولت إلى ملف أمام وزارة التعليم العالي، بعدما تبين أن الأزمة لا تتعلق بطلاب خالفوا شروط القبول، وإنما بأعداد تم قبولها فوق الطاقة الاستيعابية المحددة لبعض البرامج.
وهنا يطرح التحقيق السؤال الأصعب:
إذا كان الطالب قد تقدم من خلال القنوات الرسمية، وقُبل، وسدد المصروفات، وسلم أوراقه، وبدأ الدراسة.. فمن يتحمل مسؤولية الخطأ إذا اكتُشف بعد ذلك أن العدد تجاوز الطاقة المسموح بها؟
البداية من جنوب الوادي.. مئات الطلاب أمام أزمة مفاجئة
بحسب تصريحات رئيس جامعة جنوب الوادي الأهلية، الدكتور عباس منصور، فإن الجامعة قبلت نحو 700 طالب إضافي فوق الطاقة الاستيعابية في عدد من البرامج، موضحًا أن السبب يرجع إلى عدم انتظار التعليمات النهائية الخاصة بأعداد القبول للعام الجامعي الجديد، والاعتماد على قواعد كانت مطبقة في سنوات سابقة.
وتشير بيانات منشورة إلى أن الزيادات شملت عدة كليات، من بينها 77 طالبًا في الطب البشري، و150 في الصيدلة، و61 في طب الأسنان، و69 في التمريض، و46 في الهندسة، و30 في الحاسبات، وفق ما نقلته «الوطن» عن مصادر جامعية.
كما تحدث النائب حسين هريدي عن وصول عدد الطلاب المتضررين إلى نحو 688 طالبًا، بينما تحدث رئيس الجامعة عن نحو 700 طالب، وهو اختلاف في الحصر لا يغير جوهر الأزمة: وجود أعداد قُبلت ثم أصبحت بحاجة إلى إعادة توزيع.
الطلاب: «لم نرتكب خطأ»
المشكلة الأكثر إثارة للجدل أن الطلاب وأولياء الأمور يقولون إن أبناءهم لم يتسللوا إلى الجامعة أو يحصلوا على مقاعد خارج النظام، بل تقدموا وفق الإجراءات المعلنة، واستكملوا المستندات وسددوا المصروفات، وبعضهم بدأ الدراسة بالفعل واتخذ ترتيبات للسكن والإقامة في قنا.
وبالتالي فإن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه:
هل كان من المفترض أن يعرف الطالب عدد المقاعد التي تسمح بها الطاقة الاستيعابية أكثر من الجهة التي تدير عملية القبول؟
وهل يجوز تحميل الطالب تبعات خطأ إداري لم يكن طرفًا فيه؟
هذه الأسئلة لم تعد مجرد تساؤلات أسرية، بل أصبحت محورًا لتحرك وزارة التعليم العالي.
الجامعة: لم نلغِ قبول أي طالب
في المقابل، حرصت جامعة جنوب الوادي الأهلية على توضيح موقفها، وأكدت رسميًا أنها لم تلغِ قبول أي طالب، وإنما جرى التعامل مع الطلاب الذين تجاوزوا الأعداد المحددة من خلال إتاحة التحويل إلى جامعات أهلية أخرى، بحسب توافر البرامج والطاقة الاستيعابية.
كما أعلنت الجامعة مخاطبة الجامعات الأهلية التي سيتم تحويل الطلاب إليها لتسهيل الإجراءات، مع التأكيد على تحويل المصروفات التي سبق للطلاب سدادها وتسليم ملفاتهم وشهاداتهم للجامعات المحول إليها.
وبذلك يصبح الخلاف في جوهره ليس حول وجود المشكلة، وإنما حول كيفية توصيفها وحماية الطالب من آثارها.
المفاجأة: جنوب الوادي ليست الواقعة الأولى
الأخطر أن ما حدث في جنوب الوادي لم يكن واقعة منفردة هذا العام.
ففي سبتمبر 2026، ظهرت أزمة مشابهة في جامعة شرق بورسعيد الأهلية، عندما جرى تخفيض العدد المسموح بقبوله في كلية الطب إلى نحو 300 طالب، بعد أن كانت الجامعة قد استقبلت نحو 660 طالبًا، وسدد المقبولون المصروفات، قبل مطالبة عدد كبير منهم بسحب المصروفات أو تعديل الرغبة إلى كلية أخرى.
وتدخلت وزارة التعليم العالي، وأعلنت في 19 سبتمبر أنها تبحث أوضاع 85 طالبًا لم تتم تسوية أوضاعهم، وانتهت إلى توفير بدائل تعليمية لهم، من بينها تخصصات أخرى داخل الجامعة أو جامعات أهلية أخرى، مع تمكين عدد من الطلاب من الالتحاق بالطب البشري في جامعات أخرى.
لماذا خُفضت أعداد طلاب الطب؟
هنا تظهر نقطة مهمة حتى لا يتحول التحقيق إلى اتهام غير منضبط.
وزارة التعليم العالي أوضحت أن تحديد أعداد المقبولين في كليات الطب لا يرتبط بالمجموع وحده، وإنما يرتبط أيضًا بالإمكانات البشرية والمادية وطاقة التدريب الإكلينيكي بالمستشفيات الجامعية.
وقال المتحدث باسم الوزارة إن لجنة قطاع الدراسات الطبية أجرت تقييمًا للموارد البشرية والمادية وفرص التدريب بالمستشفيات الجامعية، وعلى أساس ذلك جرى تخفيض أعداد القبول في بعض كليات الطب.
كما أوضح وزير التعليم العالي أن تخفيض أعداد القبول في طب شرق بورسعيد كان قد اتُخذ بناءً على دراسة من لجنة القطاع الطبي وبمشاركة المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية.
وهذا من حيث المبدأ مفهوم؛ لأن جودة تدريب طالب الطب ترتبط مباشرة بعدد المرضى وأماكن التدريب وأعضاء هيئة التدريس والإمكانات السريرية.
لكن السؤال هنا ليس: لماذا تراجع العدد؟
السؤال هو:
متى تم اعتماد العدد النهائي؟ ولماذا جرى قبول الطلاب وسداد المصروفات قبل حسم العدد النهائي؟
ثلاث جامعات تجاوزت الطاقة.. ولكن أين الجامعة الثالثة؟
في تطور مهم، قال الدكتور عصام فرحات، رئيس جامعة المنيا ورئيس اللجنة المشكلة لحل أزمة طلاب جنوب الوادي، إن قبول أعداد فوق الطاقة الاستيعابية حدث في 3 جامعات فقط، بينما التزمت بقية الجامعات الأهلية والخاصة بالتعليمات المتعلقة بالأعداد المحددة لكل جامعة.
المعلن بشكل واضح في المصادر التي أمكن التحقق منها هو جنوب الوادي الأهلية وشرق بورسعيد الأهلية.
أما الجامعة الثالثة، فلم أجد في البيانات المنشورة حتى الآن تسمية رسمية موثوقة لها، ولذلك لا يجوز أن أضع اسم جامعة ثالثة على لساني اعتمادًا على منشورات مواقع التواصل أو معلومات غير موثقة.
وهنا تبرز مطالبة مشروعة للوزارة بإعلان الصورة الكاملة للرأي العام.
من المسؤول عن حماية الطالب؟
القواعد المنشورة لمجلس الجامعات الأهلية تؤكد أن الجامعات تحدد أعداد القبول في إطار السياسة العامة والقواعد التي يقرها المجلس، كما أن اللوائح المنظمة تضع آليات للرقابة على التزام الجامعات بقرارات المجلس.
وبالتالي، فإن الطالب ليس هو الجهة التي تحدد الطاقة الاستيعابية للكلية، ولا هو صاحب القرار في فتح باب القبول أو إرسال رسائل الترشيح أو تحصيل المصروفات.
وهنا لا يعني التحقيق أن أي جامعة تعمدت الإضرار بالطلاب؛ فهذا أمر يحتاج إلى تحقيق رسمي وأدلة.
لكن المسؤولية الإدارية عن ضبط عملية القبول قبل تحصيل الأموال وبدء الدراسة تظل سؤالًا مشروعًا يستحق الإجابة.
هل التحويل حل كافٍ؟
وزارة التعليم العالي تدخلت في الحالتين المعلنتين لتوفير بدائل للطلاب، وهذا أمر إيجابي يحسب للوزارة من زاوية حماية المسار التعليمي للطلاب.
وفي أزمة جنوب الوادي، أكدت الجامعة أن التحويل يتم إلى جامعات أخرى بحسب توافر البرنامج والطاقة الاستيعابية، مع تحويل المصروفات والملفات.
لكن بالنسبة للأسرة، التحويل ليس دائمًا مجرد تغيير عنوان.
فالطالب قد يكون اختار الجامعة لقربها من محل إقامته، أو دفع مصروفات للسكن، أو استأجر مسكنًا، أو بدأ بالفعل في دراسة مقررات، أو اختار كلية بعينها باعتبارها رغبته الأساسية.
أما الطالب الذي يتم دفعه إلى تخصص مختلف، فالقضية تصبح أكثر حساسية؛ لأن تغيير الطب إلى الصيدلة أو أي برنامج آخر ليس مجرد تغيير جامعة، بل تغيير لمسار مهني كامل.
القضية الأهم: لا تجعلوا الطالب يدفع ثمن الخطأ
الطالب الذي استوفى شروط القبول وسدد المصروفات بناءً على قبول صادر من الجامعة، ثم بدأ الدراسة، لا ينبغي أن يتحول فجأة إلى الطرف الأضعف في معادلة إدارية لم يكن مسؤولًا عنها.
ومن هنا تأتي أهمية أن يكون أي حل:
واضحًا، مكتوبًا، ومعلنًا، ويضمن عدم ضياع سنة دراسية على الطالب، وعدم تحميل الأسرة مصروفات إضافية بسبب التحويل، والحفاظ قدر الإمكان على التخصص الذي قُبل فيه الطالب.
كما يجب أن تكون هناك آلية واضحة لمحاسبة المسؤول إداريًا إذا ثبت وجود تجاوز في إجراءات القبول، دون أن يتحول الطالب إلى ضحية لهذا الخطأ.
وماذا نطلب من وزارة التعليم العالي؟
لا تحتاج الأزمة إلى مزيد من الجدل على مواقع التواصل بقدر ما تحتاج إلى كشف رسمي واضح يجيب عن عدة أسئلة:
1. ما العدد النهائي المعتمد لكل كلية قبل فتح باب القبول؟
2. متى تم إخطار الجامعات بهذه الأعداد؟
3. لماذا تم قبول طلاب وسداد مصروفاتهم إذا كانت الأعداد النهائية قد حُسمت؟
4. كم عدد الطلاب المتضررين بدقة في كل جامعة وكل كلية؟
5. ما الجامعة الثالثة التي أشار إليها رئيس جامعة المنيا ضمن الجامعات التي قبلت أعدادًا فوق الطاقة؟
6. هل سيحصل كل طالب محول على نفس التخصص أم سيتم تغيير رغبته؟
7. هل تتحمل الجامعة المحول منها جميع الفروق المالية ومصاريف التحويل؟
8. ما الضمان لعدم ضياع العام الدراسي على الطلاب؟
9. وهل ستتم مراجعة إجراءات القبول لتجنب تكرار الأزمة في السنوات المقبلة؟
فى النهاية
القصة ليست مجرد خلاف بين طالب وجامعة.
إنها اختبار حقيقي لمنظومة القبول في الجامعات الأهلية، ولقدرتها على حماية الطالب من الأخطاء الإدارية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جودة التعليم وضوابط الطاقة الاستيعابية.
ومن حق الدولة أن تضبط أعداد طلاب الطب وفقًا لقدرات المستشفيات والتدريب.
لكن من حق الطالب أيضًا أن يسأل:
إذا كانت الجامعة هي التي قبلتني، وأرسلت لي قبولًا، وحصلت مني على المصروفات، وبدأت الدراسة.. فلماذا أتحمل أنا نتيجة الخطأ؟
وهنا يجب أن يكون هدف أي حل:
ضبط القبول دون كسر مستقبل الطلاب.. ومحاسبة الخطأ الإداري دون تحميل فاتورته لأسر لم ترتكب الخطأ.
بقلم: سها البغدادي
المصادر:
وزارة التعليم العالي ومجلس الجامعات الأهلية، وتصريحات مسؤولي الجامعات، وما نشرته الصحف المصرية حول أزمتي جنوب الوادي وشرق بورسعيد.

تعليقات
إرسال تعليق