بقلم سها البغدادي
لم يكن المشهد يبدو كأنه بداية واحدة من أخطر حكايات التجسس في تاريخ مصر.
شاب مصري في الثامنة عشرة من عمره، يعيش في إيطاليا، يدرس الفن واللغة الإيطالية، يغني في الحفلات ويرسم ويعيش حياة طالب بعيدًا عن وطنه.
لكن شيئًا ما في حياة ذلك الشاب كان على وشك أن يتغير...
شاب غامض اسمه «سليم» اقترب منه، وكان ينفق أموالًا تفوق بكثير ما يمكن لطالب أن يمتلكه. ثم ظهرت علامات أخرى أثارت شكوك سمير الإسكندراني، بينها جواز سفر أمريكي وعلاقات غامضة.
لم يهرب سمير من الرجل...
بل قرر أن يعرف الحقيقة.
اخترع له حكاية عن أصول يهودية في عائلته، وادعى أن لديه ميولًا معادية لنظام جمال عبد الناصر.
الطُعم ابتلعه «سليم».
وبحسب رواية الإسكندراني نفسه، كشف له الرجل أنه ليس مصريًا، بل إسرائيلي.
بعدها ظهر رجل آخر عُرّف له باعتباره ألمانيًا، قبل أن يعرف سمير — وفق روايته — أنه ضابط في الموساد يُدعى «جوناثان شميت».
كان الاختبار الحقيقي قد بدأ.
عرضوا على الشاب المصري العمل معهم، وطلبوا منه العودة إلى مصر وجمع معلومات، بل والتطوع في الجيش.
وعلموه وسائل للتخابر، بينها الحبر السري والشفرة.
لكنهم لم يعرفوا أن الشاب الذي ظنوا أنهم اصطادوه كان قد بدأ يصطادهم هو.
إلى القاهرة.. ولكن ليس كما أرادوا
عاد سمير إلى مصر، وحاول الوصول إلى جمال عبد الناصر.
وبحسب شهادته، لم تكن محاولاته الأولى ناجحة، حتى علم والده بالأمر، وساعده أحد معارفه المرتبطين بالمخابرات العامة في الوصول إلى الجهاز.
ثم جاءت اللحظة التي ظل الإسكندراني يتحدث عنها طوال حياته...
لقاء جمال عبد الناصر.
دخل الشاب إلى المكان الذي كان ينتظر فيه الرئيس.
وحين ظهر عبد الناصر أمامه، شعر — بحسب روايته — بأنه أمام شخص يشبه الأب.
اندفع نحوه وحاول تقبيل يده.
لكن عبد الناصر رفض.
جلس الرجلان، وبدأ سمير في سرد الحكاية كاملة:
الموساد...
التجنيد...
التدريب...
المعلومات التي يريدونها...
والأخطر من كل ذلك، ما قال إنه عرفه عن مخططات تستهدف شخصيات مصرية.
وبحسب الرواية التي نقلها الإسكندراني في أحاديثه الإعلامية، أبلغ عبد الناصر عن مخطط لاستهداف المشير عبد الحكيم عامر، كما تحدث عن خطة لاغتيال عبد الناصر نفسه عن طريق دس سم طويل المفعول في طعامه.
وهنا لم يعد سمير مجرد شاب كشف محاولة تجنيده.
لقد أصبح جزءًا من لعبة استخباراتية حقيقية.
وقد نقلت مصادر صحفية روايته بأن عبد الناصر أعطى توجيهًا إلى صلاح نصر، رئيس المخابرات العامة آنذاك، ليستمر سمير في لعب دور العميل الذي يعتقد الموساد أنه يعمل لصالحه.
الثعلب يبدأ لعبته
من هذه اللحظة، أصبح سمير الإسكندراني يعيش بحياتين.
في الظاهر...
شاب يتعاون مع الموساد.
وفي الخفاء...
مصري يعمل تحت إشراف المخابرات المصرية.
كان يرسل لهم معلومات، لكن المعلومات كانت تُدار بعناية؛ بعضها معلومات تقليدية حتى لا يشكوا فيه، وبعضها يخدم العملية الأكبر التي كانت تستهدف كشف الشبكة الموجودة داخل مصر.
وبحسب روايته، طلب منه الإسرائيليون إرسال أفلام وصور، ووُضعت أمامه طرق للتواصل واستلام الأموال.
ومن خلال تلك الاتصالات بدأت خيوط شبكة تجسس تظهر.
وكانت كل رسالة يرسلها سمير تحمل خطرًا مزدوجًا:
إذا أخطأ، انكشف أمام الموساد.
وإذا انكشف، لم تكن حياته وحدها هي المهددة.
ومع مرور الوقت، بدأت الشبكة في السقوط.
وتذكر الروايات المنشورة أن العملية استمرت نحو عام ونصف، وأسهمت في كشف شبكة تجسس إسرائيلية داخل مصر، كما تنسب إلى الإسكندراني المساهمة في كشف عدة شبكات.
الفنان الذي أخفى أخطر أسراره
المفارقة أن الرجل الذي عرفه المصريون بعد ذلك مطربًا وفنانًا وصاحب أغنيات وطنية، كان يحمل في داخله سرًا لا يستطيع أن يحكيه.
لم يكن يتحدث عن تلك المرحلة بسهولة.
وتذكر مصادر صحفية أن عددًا من الكتاب حاولوا إقناعه بسرد قصته، لكنه ظل متحفظًا لسنوات قبل أن يكشف جوانب منها في لقاءات صحفية وتليفزيونية.
ظل سمير الإسكندراني بالنسبة للجمهور فنانًا.
لكن وراء صوت الفنان كانت هناك قصة أخرى...
قصة شاب دخل لعبة أكبر من عمره، ونجح — وفق الروايات المتداولة وشهادته الشخصية — في تحويل عملية تجنيده إلى عملية مضادة ضد من حاولوا تجنيده.
شهادة لا يمكن تجاهلها
وعند الحديث عن هذه القصة، يجب التوقف أمام نقطة مهمة:
تفاصيل محاولة اغتيال عبد الناصر والعمليات الاستخباراتية المحددة وردت أساسًا في شهادات الإسكندراني والمواد الصحفية التي نقلتها عنه، وليست كل تفاصيلها منشورة في وثائق رسمية متاحة للجمهور.
لكن هناك واقعة مؤسسية واضحة لا تحتاج إلى رواية منسوبة:
المخابرات العامة المصرية نفسها نعت سمير الإسكندراني بعد وفاته عام 2020، وقالت إنه قدم للوطن خدمات جليلة، ووصفته بأنه نموذج جمع بين الفن الهادف والبطولة والتضحية من أجل الوطن.
وهكذا رحل سمير الإسكندراني...
وبقيت قصته واحدة من أكثر الحكايات إثارة في العلاقة بين الفن وعالم المخابرات.
فقد كان على المسرح...
فنانًا يغني لمصر.
وفي الظل...
رجلًا يلعب أخطر أدواره.
ولعل أكثر ما يختصر حكايته أن الموساد ظن أنه وجد شابًا مصريًا يمكن تجنيده...
بينما كان الشاب المصري، منذ اللحظة الأولى، يحاول أن يعرف:
من الذي يجند من؟

تعليقات
إرسال تعليق