المدرسة الدولية لا تعني مدرسة بلا هوية.. من يعلّم أبناءنا تاريخ العالم يجب أن يعلّمهم أولًا تاريخ وطنهم
✍️ بقلم سها البغدادي
أتحدث هنا من واقع تجربة أسرية، فأبنائي درسوا في مدارس دولية، وكنت حريصة على أن يحصلوا على تعليم قوي يفتح أمامهم أبواب العالم، لكنني في الوقت نفسه كنت أطرح سؤالًا مهمًا: ماذا يحدث عندما ينفتح الطالب على العالم بينما تضعف صلته بلغته وتاريخه وثقافته؟
المشكلة ليست في التعليم الدولي نفسه، ولا في دراسة تاريخ أوروبا أو بريطانيا أو فرنسا. بالعكس، معرفة تاريخ الآخرين جزء من التعليم الجيد والانفتاح على العالم.
لكن المشكلة تبدأ عندما لا يحصل الطالب على المعرفة الكافية بتاريخ بلده، أو عندما تُقدَّم الأحداث الاستعمارية من زاوية واحدة.
فالمناهج الدولية ليست نموذجًا واحدًا؛ فـالبكالوريا الدولية IB مثلًا تؤكد رسميًا على دراسة التاريخ من خلال الأدلة، والمقارنة، وتعدد وجهات النظر، وتتناول موضوعات مثل الاستعمار وحركات الاستقلال. كما أن مناهج Cambridge IGCSE History تتضمن دراسة الإمبريالية الأوروبية ودوافعها وآثارها.
وهنا تأتي مسؤولية المدرسة والدولة معًا:
ليس المطلوب أن نمنع الطالب من دراسة الرواية الأوروبية، وإنما أن نضمن ألا تصبح الرواية الأوروبية هي الرواية الوحيدة التي يعرفها عن وطنه.
فإذا درس الطالب الاحتلال البريطاني لمصر، من حقه أن يعرف السياق السياسي والاقتصادي والاستعماري للاحتلال، وتأثيره على المجتمع المصري، والمقاومة الوطنية، والنتائج التي ترتبت عليه، وأن يتعلم كيف يفحص المصادر ويقارن بينها بدلًا من تلقي رواية جاهزة.
والأمر نفسه ينطبق على اللغة.
اللغة العربية ليست مادة هامشية يمكن التضحية بها لمصلحة الإنجليزية أو الفرنسية. هي لغة الوطن، والثقافة، والتراث، وجزء أساسي من تكوين الشخصية المصرية والعربية.
واللافت أن فلسفة التعليم الدولي نفسها لا تقول إن الانفتاح على العالم يعني التخلي عن اللغة الأم. فالـIB يعلن التزامه بالتعدد اللغوي، ويؤكد أن دراسة اللغات تساعد الطالب على فهم الثقافات المختلفة بما فيها ثقافته هو.
بل إن وزارة التربية والتعليم المصرية تؤكد حاليًا ضرورة متابعة المدارس الدولية والتأكد من تدريس مواد الهوية الوطنية، ومنها اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية.
إذن القضية ليست: تعليم دولي أم تعليم وطني؟
القضية الحقيقية هي:
كيف نقدم تعليمًا دوليًا دون أن يتحول إلى انفصال عن الهوية؟
بعض أولياء الأمور يقولون: "أبناؤنا سيسافرون إلى الخارج، فلماذا يحتاجون إلى العربية والتاريخ؟"
وهنا أسأل: السفر للدراسة أو العمل هل يعني أن يتحول الوطن إلى مجرد خانة في شهادة الميلاد؟
نحن نريد أبناءنا قادرين على المنافسة في العالم، يتحدثون اللغات، ويفهمون الثقافات المختلفة، ويملكون أدوات التفكير النقدي.
لكننا نريدهم أيضًا أن يعرفوا من هم، ومن أين جاءوا، وما تاريخ بلدهم، وما لغتهم، وما قيم مجتمعهم.
العالمية الحقيقية لا تعني أن يخلع الإنسان جلده.. بل أن يعرف جذوره جيدًا، ثم ينفتح على العالم وهو واقف على أرض صلبة.

تعليقات
إرسال تعليق