بقلم: سها البغدادي
في الوقت الذي تبحث فيه إثيوبيا عن منفذ بحري على البحر الأحمر، تبرز تساؤلات خطيرة حول طبيعة هذا الوجود وتداعياته على أمن المنطقة، خاصة إذا تحول الميناء التجاري مستقبلاً إلى موطئ قدم عسكري أو استخباراتي يخدم مصالح قوى إقليمية ودولية.
فإثيوبيا التي لم تعد تمتلك منفذاً بحرياً منذ استقلال إريتريا عام 1993، لم تكتفِ بالمطالبة بتسهيلات تجارية، بل أعلنت طموحاتها في امتلاك منفذ بحري وإعادة بناء قوتها البحرية، ووقعت مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال عام 2024 أثارت أزمة مع الحكومة الصومالية بسبب ما يتعلق بالسيادة على الأراضي والمياه.
وهنا تكمن الخطورة: هل نحن أمام احتياج اقتصادي مشروع، أم إعادة تشكيل لخريطة النفوذ العسكري في القرن الإفريقي؟
إن وجود إثيوبي مدني في ميناء تجاري لا يمثل بالضرورة تهديداً، لكن إنشاء قاعدة بحرية أو السماح بتمركز قوات عسكرية أو أجهزة مراقبة واستخبارات يفتح الباب أمام معادلات أمنية مختلفة تماماً.
فمضيق باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وأي ترتيبات عسكرية جديدة بالقرب منه قد تؤثر في توازنات الأمن البحري وحركة التجارة الدولية، وبالتالي في المصالح المصرية المرتبطة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس.
وتزداد أهمية الملف مع وجود مصالح إسرائيلية وإماراتية في منطقة القرن الإفريقي؛ فقد أُعلن عن دعم إسرائيلي لطموحات إثيوبيا البحرية، بينما تمتلك الإمارات حضوراً اقتصادياً واستراتيجياً في موانئ المنطقة، من خلال استثمارات وشراكات أبرزها ميناء بربرة، فضلاً عن سجل وجودها العسكري السابق في قاعدة عصب الإريترية.
لكن يجب التمييز بين المصالح والتحركات الموثقة وبين الادعاء بوجود مخطط عسكري مشترك يستهدف مصر، وهو أمر لا تتوافر أدلة معلنة كافية لإثباته.
أما الأخطر فهو محاولة ربط الوصول إلى البحر الأحمر بالتفاهم حول مياه النيل.
فهل يُعقل أن تتحول الحقوق المائية المصرية إلى ورقة تفاوض مقابل امتياز جغرافي تحصل عليه إثيوبيا في أراضي دولة إفريقية أخرى؟
لقد وقعت مصر وإثيوبيا والسودان إعلان المبادئ عام 2015 بشأن سد النهضة، وكان من المفترض أن يكون التعاون والالتزام بعدم إحداث ضرر ذي شأن أساساً لأي تفاهم بشأن النهر. ومن ثم، فإن التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل لا ينبغي أن يكون ثمناً لمنح إثيوبيا امتيازاً استراتيجياً في البحر الأحمر.
مصر ليست ضد حق إثيوبيا في التجارة أو الحصول على خدمات الموانئ، لكنها معنية بحماية أمنها المائي والبحري، ورفض أي ترتيبات يمكن أن تتحول إلى تهديد مستقبلي.
ومن الضروري أن تضع القاهرة خطوطاً واضحة لأي تفاوض محتمل أهمها
- عدم إنشاء قواعد عسكرية أو استخباراتية إثيوبية على البحر الأحمر.
- عدم المساس بسيادة الدول الساحلية أو أراضيها.
- ضمان الطابع التجاري والمدني لأي تسهيلات بحرية.
- التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة، يتضمن قواعد واضحة للتشغيل والجفاف وتبادل البيانات.
- حماية أمن باب المندب والبحر الأحمر من أي ترتيبات تهدد حرية الملاحة.
ويجب أن نضع فى الاعتبار أن أثيوبيا لا تلتزم ببنود أى إتفاق مثلما حدث فى إتفاقية ٢٠١٥ .
وملخص الحديث ، لا ينبغي أن تدفع مصر ثمن أزمة لم تصنعها، ولا أن تستبدل ضمان حقوقها المائية بامتيازات جغرافية قد تعيد رسم خريطة النفوذ العسكري في البحر الأحمر.
فالموانئ ليست مجرد أرصفة للسفن، بل قد تتحول، وفق طبيعة الاتفاقات والتجهيزات، إلى أوراق نفوذ استراتيجي.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: إذا لم تلتزم إثيوبيا حتى الآن بالتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن سد النهضة، فما الضمانات التي تجعلنا نثق في التزامات جديدة تتعلق بأمن البحر الأحمر؟
الأمن المائي المصري ليس للمقايضة، وأمن البحر الأحمر لا يحتمل مغامرات غير محسوبة.

تعليقات
إرسال تعليق