من حرّر الأرض وترك الإنسان؟ لبنان في الذكرى 26 بين تحرير ناقص وسيادة مهدورة

 


ميخائيل عوض  / لبنان 

*من يحكم لبنان فعلاً: الدولة أم “خلية واشنطن”؟* 

في الذكرى السادسة والعشرين لـ«عيد التحرير»، لا يبدو المشهد اللبناني احتفالياً بقدر ما يبدو مأزوماً ومثقلاً بأسئلة الوجود والسيادة والهوية.

فالتحرير الذي أنجز عام 2000 بوصفه حدثاً استثنائياً في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يعود اليوم  كإنجاز ناقص، أو كتحرير لم يكتمل عامل التحرر فيه لأن الأرض تحررت بينما بقي الإنسان والدولة والمنظومة السياسية رهائن التبعية والعجز والانقسام. 

المفارقة القاسية، أن مناسبة كان يفترض أن تتحول إلى عيد وطني جامع يؤسس لعقيدة سيادية جديدة، عادت هذا العام تحت عنوان مختلف:

لبنان مهدد من جديد، والسيادة مستباحة، والاحتلال عاد بأشكال أخرى، فيما مهمة التحرير نفسها باتت مطروحة مرة ثانية ولكن بأبعاد أعقد وأخطر. 

*بين التحرير والتحرر: كيف سجن الإنجاز؟* 

لم تكن أزمة لبنان بعد عام 2000 ناتجة عن فشل فعل المقاومة أو عن عجز في الإنجاز العسكري الذي تحقق في الجنوب، بل عن الطريقة التي جرى فيها التعامل مع هذا الإنجاز بعد التحرير. 

فالتحرير الذي هزّ صورة إسرائيل وأسقط أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، لم يتحول إلى مشروع وطني تأسيسي يعيد بناء الدولة والاقتصاد والعقد الاجتماعي، بل جرى احتواؤه داخل منظومة سياسية ـ مالية ـ طائفية استهلكت النصر بدل أن تبني عليه. 

إن الخطأ الجوهري تمثل في الفصل بين “تحرير الأرض” و”تحرر الإنسان”. الأرض تحررت بقوة الدم والتضحيات، لكن الإنسان اللبناني بقي أسيراً لمنظومة فساد وارتهان وتبعية، منظومة تعاملت مع الانتصار كغنيمة سياسية لا كفرصة تاريخية لإعادة إنتاج دولة قوية مستقلة. 

وهنا يكمن، بحسب الطرح، سرّ التحول من لحظة مجد وطني جامع إلى واقع تتآكل فيه السيادة تدريجياً حتى عاد الاحتلال بأشكال أخرى: احتلال اقتصادي، احتلال سياسي، احتلال قرار، ووصاية خارجية تمارس نفوذها عبر الداخل اللبناني نفسه. 

  إن المقاومة قدّمت إنجازاً استثنائياً، لكن نتائج هذا الإنجاز أُهديت لطبقة سياسية لم تؤمن أصلاً بفكرة التحرر الوطني الحقيقي، بل رأت في الدولة شركة محاصصة ومزرعة نفوذ. لذلك جرى تبديد القوة المعنوية والسياسية التي ولدها التحرير عبر التسويات، والتنازلات، وإعادة ربط لبنان بالشبكات الدولية والإقليمية ذاتها التي كانت ترى في أي مشروع سيادي مقاوم خطراً على مصالحها. 

من هنا، فإن مشهد الذكرى السادسة والعشرين للتحرير يبدو، وفق هذا التصور، مشهداً مؤلماً: بلدات مدمرة، سيادة مستباحة، ضغوط خارجية علنية، وانقسام داخلي حاد، بينما الذين صنعوا التحرير أنفسهم يجدون أنهم مضطرون للحديث مجدداً عن ضرورة “حماية لبنان” و”منع سقوط الدولة” و”إعادة تثبيت السيادة” تحت خطر الإبادة والتهجير والتدمير. وكأن التاريخ عاد إلى نقطة البداية، لا لأن الإنجاز كان وهماً، بل لأن البيئة السياسية التي احتضنته لم تكن بمستوى التضحيات التي صُرفت لأجله.

*عيد التحرير وسط الدمار: أمة تدفع أثمان بقائها* 

الربط بين ذكرى التحرير والمشهد الإقليمي الأوسع، 

إن ما يجري في غزة ولبنان وساحات المنطقة ليس أحداثاً منفصلة، بل حلقات ضمن حرب كبرى لإعادة تشكيل المنطقة والإقليم بالقوة. 

في هذه الحرب، نرى أن الشعوب تدفع أثماناً هائلة من

بلدات مدمرة، آلاف الشهداء والجرحى، تهجير واسع،

ومحاولات ممنهجة لكسر إرادة المجتمعات المقاومة.

ورغم ذلك، يؤكد أن ما تزال هناك “أمة تقاتل”، وأن حجم التضحيات دليل على أن المنطقة لم تستسلم بعد لمنطق الهيمنة والإخضاع. 

إن تزامن عيد التحرير مع عيد الأضحى يحمل دلالة رمزية عميقة: فالأمة التي قدمت هذا القدر من التضحيات لا يمكن أن تُهزم نهائياً، لأن جوهرها قائم على فكرة الفداء والصبر والاستمرار. 

*“روبيو يرد على الشيخ نعيم”: من يقرر في لبنان؟* 

نتوقف عند الرد الذي أعقب خطاب الشيخ نعيم قاسم،  إن رد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو السريع والفوري بعيد انتهاء كلمة الأمين كشف حقيقة من يدير القرار اللبناني. 

ففي رأيه، ما قاله روبيو لم يكن مجرد موقف سياسي، بل رسالة مباشرة تؤكد أن واشنطن تتعامل مع لبنان باعتباره ساحة خاضعة لإدارتها السياسية والأمنية.

تعمل فيه“خلية واشنطن”، وفق أجندة أميركية هدفها: تفكيك لبنان، ضرب بيئة المقاومة،

إعادة تشكيل النظام السياسي،

وربط البلاد بالكامل بالمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي.

ومن هنا نعتبر أن الأزمة لم تعد فقط أزمة حكومة أو فساد أو سوء إدارة، بل أزمة سيادة فعلية أعلنت صراحة أن القرار في واشنطن لا في بيروت.

*السيادة المزدوجة: ممنوع التفاوض إلا عبر الدولة… ومسموح التنسيق الأمني؟* 

من هنا  وما نعتبره “تناقضاً فاضحاً” في خطاب السلطة اللبنانية. 

ففي الوقت الذي ترفض فيه الحكومة أي وساطات خارج إطارها الرسمي بحجة الحفاظ على السيادة، تقبل عملياً بكل شكل من أشكال من التنسيق والإملاءات الأميركية التي تتناقض مع مفهوم السيادة نفسه. 

ولهذا نسأل : كيف تصبح السيادة مهددة إذا تواصل لبنان مع أطراف قادرة على وقف الحرب، لكنها لا تُمس حين يُدار الملف اللبناني تحت الرعاية الأميركية المباشرة؟ ويمنح نتنياهو كل الصلاحيات للتدمير والسحق والإبادة؟ 

في نظره، السيادة الحقيقية ليست شعاراً، بل قدرة فعلية على حماية الناس ومنع تدمير البلد ووقف العدوان.

*المقاومة والتحرر: الخطأ الذي يجب تصحيحه* 

إن المقاومة حين لا تقترن بمشروع إصلاح داخلي وتحرير سياسي واجتماعي، فإن إنجازاتها تصبح عرضة للتآكل. 

إن الخطأ التاريخي كان في تسليم نتائج الانتصارات إلى منظومة عاجزة وفاسدة، بدلاً من تحويلها إلى فرصة لإعادة تأسيس الدولة. 

ومن هنا يدعو إلى مراجعة شاملة: مراجعة لفكرة الدولة،

ولمفهوم السيادة، وللعلاقة بين المقاومة والسلطة،

ولطبيعة النظام اللبناني نفسه.

لأن تحرير الأرض وحده، من دون تحرير القرار والاقتصاد والمؤسسات، لا يكفي لضمان بقاء الإنجاز. بل يؤدي بالضرورة إلى الانقلاب عليه وطعنه في الظهر في نهاية المطاف كما هو جار اليوم في لبنان.

*لبنان في قلب التحولات الكبرى* 

ورغم صعوبة المشهد،  إن المنطقة تتجه نحو تحولات استراتيجية كبرى ستفضي في النهاية إلى توازنات جديدة.

حيث  زمن الهيمنة الأحادية يتراجع، وأن الشرق يصعد،

وأن المعركة الحالية مهما طالت ستنتج نظاماً دولياً مختلفاً في عالم جديد مختلف كذلك.

أما لبنان، فهو بالنسبة إليه ليس هامشاً في هذه الحرب، بل جزء من المسرح المركزي للتحولات. 

ولهذا نعتقد أن الصراع لن ينتهي بهدنة مؤقتة أو اتفاق محدود، بل مع اكتمال التحول الدولي والإقليمي الكبير الذي يعيد رسم موازين القوى في المنطقة والعالم.

*ترامب والحرب بوصفها بورصة مالية* 

لا يمكن فهم إدارة الرئيس الأميركي ترامب للحروب بمنطق الإدارات الأميركية التقليدية، لأن “الترامبية”  ليست مجرد نموذجا سياسيا تقليديا، بل نمط جديد في إدارة الإمبراطورية يقوم على عقلية السمسار وتاجر البورصة لا عقلية رجل الدولة الكلاسيكي. الحرب عند ترامب ليست فقط أداة جيوسياسية، بل أيضاً منصة استثمار مالي وسياسي وإعلامي تُستخدم لتحريك الأسواق، وابتزاز الحلفاء، وتعظيم الأرباح، وصناعة النفوذ الشخصي والعائلي. 

من هذا المنطلق فإن  حالة التناقض والفوضى التي تحكم تصريحات ترامب ومواقفه: ساعة يرفع سقف الحرب والتهديد، وساعة يتحدث عن السلام والتفاهم والاتفاقات التاريخية. مرة يعلن أن المنطقة على شفير الانفجار، ثم يعود ليتحدث عن هدنة قريبة أو تسوية محتملة. هذا التذبذب، ليس ارتباكاً عفوياً، بل جزء من أسلوب إدارة قائم على “التسخين والتبريد” لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب.

فالحرب، وفق هذا التصور، تتحول إلى ما يشبه البورصة المفتوحة:

ارتفاع التوتر يرفع الأرباح والأسعار والنفوذ،

والتهدئة المؤقتة تخلق فرصاً جديدة للمساومة والضغط،

والإعلام يصبح جزءاً من السوق السياسية لا مجرد ناقل للخبر. 

ولهذا نحذر مجددا من الانجرار خلف كل تسريب أو تصريح أو أجواء تفاؤلية، لأن كثيراً مما يجري ليس تعبيراً عن قرارات نهائية بل أدوات ضمن معركة أكبر تُدار بالعقل التجاري الأميركي الجديد. 

ويذهب أبعد من ذلك حين يربط هذه الظاهرة بطبيعة المرحلة الدولية نفسها. فالإمبراطورية الأميركية، دخلت مرحلة تراجع بنيوي، ومع تراجع الإمبراطوريات يصبح السلوك أكثر توحشاً وفوضوية. لذلك تظهر الحروب الحديثة وكأنها مزيج بين الاستثمار المالي، والعرض الإعلامي، والابتزاز السياسي، وإعادة إنتاج القوة عبر الفوضى المنظمة. 

في هذا السياق، تصبح المنطقة بأكملها ساحة مفتوحة لإدارة الأزمات لا لحلها، وتتحول الدماء والدمار والهدن والتهديدات إلى عناصر داخل “سوق عالمي” تديره مراكز النفوذ الكبرى وفق مصالحها المتحركة، لا وفق أي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية.

*هدنة مكتوبة لا نهاية حرب* 

إن ما جرى تداوله خلال الأيام والساعات القليلة الماضية عن “اتفاقات كبرى” و”نهاية وشيكة للحرب” هو تضخيم إعلامي لا يستند إلى الوقائع الفعلية للميدان والتفاوض. فبحسب قراءتنا، لا يوجد حتى الآن اتفاق نهائي ينهي الصراع، بل مجرد انتقال من هدنة شفهية أو تفاهمات مؤقتة إلى محاولة صياغة ورقة مكتوبة للهدنة السابقة الجارية من أبريل . 

ومن هنا نلفت إلى ضرورة التمييز بين المصطلحات: فالهدنة ليست سلاماً، ووقف إطلاق النار ليس تسوية، والورقة المكتوبة ليست نهاية حرب.

ما يجري، وفق الطرح، هو إجراء حربي بحد ذاته، لأن الحروب الحديثة لا تُدار فقط بالصواريخ والدبابات، بل أيضاً بالمفاوضات والضغوط النفسية والإعلامية والدبلوماسية. لذلك نعتبر أن الحديث المبكر عن “ما بعد الحرب” و”نتائج الحرب” و”ترتيبات المنطقة الجديدة” لا يزال سابقاً لأوانه، لأن الصراع الأساسي لم يُحسم بعد.

إن التراجع الأميركي عن أجواء الاتفاق السريع الذي أعلن عنه ترامب جاء بعدما حقق أهدافاً مرحلية من التهدئة، أبرزها أرباح في سوق الأموال. أما الحديث عن نهاية الحرب، فهو برأينا محاولة لخلق أوهام سياسية ونفسية أكثر منه توصيفاً دقيقاً للواقع. 

ولهذا نكرر أن الحرب الحالية تختلف عن كل الحروب السابقة، لأنها ليست مجرد مواجهة حدودية أو نزاع على ملفات تقنية، بل حرب انتقال تاريخي بين عالم قديم يترنح وعالم جديد يتشكل.  وهي بين نموذجين لا يمكن مقارنة الحرب بينهما بسابقات حروب اخرى أمريكا الترامبية التي جاءت من خارج النص والسياق السياسي التقليدي للحكومات الأمريكية وإيران جمهورية الثورة التي جاءت لا شرقية ولا غربية وإنما ظاهرة استثنائية. وفي مثل هذه الحروب، لا تُقاس الأمور بعدد الاتفاقات المؤقتة أو الهدن العابرة، بل بمآلات التحول الاستراتيجي الكبير الذي يجري في موازين القوى الدولية.

وبالتالي، حتى لو وُقعت هدن أو جرى تثبيت وقف لإطلاق النار، فإن جوهر الصراع سيبقى قائماً طالما أن أسباب الاشتباك الكبرى ما تزال حاضرة:

صراع النفوذ الدولي،

إعادة تشكيل الشرق الأوسط،

صعود القوى الشرقية،

وتراجع الهيمنة الأميركية الأحادية.

لذلك  إن ما يجري اليوم ليس نهاية معركة، بل فصل من حرب طويلة ستستمر بأشكال متعددة إلى أن تستقر التوازنات الدولية الجديدة وتولد “الدورة الزمنية” بوصفها بداية عالم مختلف.

*إيران وواشنطن: حرب ولادة عالم جديد* 

لا تدور المواجهة حول الملف النووي الإيراني فقط، بل حول انهيار النظام الدولي القديم.

إن:

الولايات المتحدة تعيش مرحلة تراجع إمبراطوري، والقوى الصاعدة كروسيا والصين وإيران تفرض وقائع جديدة،

والحرب الجارية هي محاولة أميركية لمنع ولادة هذا العالم الجديد أو تأخيرها.

ومن هنا نفسر حجم التوحش والعنف في المنطقة، معتبراً أن الإمبراطوريات حين تدخل طور الانحدار تصبح أكثر ميلاً إلى التخريب والفوضى. 

لكنه في المقابل نرى أن المؤشرات الدولية تتجه لمصلحة القوى المناهضة للهيمنة الأميركية: توسع المحور الشرقي، تنامي الدعم لإيران،

اتساع التباينات داخل الغرب،

وازدياد العجز الأميركي عن فرض الحسم العسكري.

*بين الألم والوعد* 

إن الاعتراف بالأخطاء شرط أساسي لحماية التضحيات ومنع ضياعها، وأن كشف الحقائق مهما كانت قاسية أفضل من الاستمرار في الأوهام. 

وبينما تبدو المنطقة غارقة في الحروب والدمار، يعتبر أن ما يجري ليس نهاية التاريخ، بل مخاض مرحلة جديدة: مرحلة سقوط الإمبراطوريات القديمة وصعود عالم مختلف. 

لذلك، فإن “عيد التحرير” في ذكراه السادسة والعشرين، لم يعد مجرد استذكار لانسحاب الاحتلال عام 2000، بل تحول إلى سؤال مفتوح: هل يستطيع لبنان أن ينجز هذه المرة تحريراً كاملاً… للأرض والإنسان والسيادة 

🖋 ميخائيل عوض

تعليقات