كتبت .. سها البغدادي
بعد التصريحات الأخيرة للدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة والسكان السابقة، حول تجربة لقاح كورونا، أصبح من حق المواطن المصري أن يطرح أسئلة صعبة، وأن يطالب بإجابات واضحة وموثقة من الجهات المختصة.
هالة زايد تحدثت في ظهور إعلامي حديث عن تقييمها لجدوى لقاح كورونا، وأوضحت أن النتائج الأولية للأبحاث لم تكن تؤكد قدرته على منع الإصابة، وأن الوصول إلى حكم نهائي بشأن جدوى اللقاحات يحتاج إلى سنوات طويلة من البحث والدراسة وأعداد كبيرة من المتطوعين. كما كشفت أنها كانت من المشاركين في التجارب السريرية للقاح خلال فترة توليها الوزارة.
وهنا لا نتحدث عن موقف شخصي من اللقاحات، ولا عن مع أو ضد التطعيم، وإنما عن مسؤولية دولة وقرارات اتخذت في ظروف استثنائية، وأنفقت عليها أموال عامة، وترتبت عليها إجراءات أثرت بصورة مباشرة في حياة ملايين المصريين.
فإذا كانت جدوى اللقاح في منع الإصابة لم تكن محسومة في ذلك الوقت، فما الأساس العلمي والقانوني الذي استندت إليه القرارات والإجراءات التي جعلت الحصول على اللقاح شرطًا أو مطلبًا في قطاعات ومواقف مختلفة من الحياة العامة؟
ومن الذي اتخذ القرارات؟
وما حجم الأموال التي أنفقتها الدولة على شراء اللقاحات؟
وما هي العقود التي أُبرمت؟
وما شروط التعاقد؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت وجود مخالفات أو أضرار أو إهدار للمال العام؟
هذه ليست دعوة لإدانة أحد قبل التحقيق، وإنما دعوة إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف يجيب عن هذه الأسئلة أمام الشعب المصري.
والأكثر أهمية أن التصريحات الحالية تستدعي مراجعة ما قيل رسميًا أثناء فترة إدارة الجائحة. ففي أغسطس 2020 أعلنت وزارة الصحة أن مصر تتعاون دوليًا للحصول على لقاحات وصلت إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، كما أكدت الوزيرة آنذاك أن التجارب تخضع للمعايير الدولية وأنه لن يتم إجراء التجارب على المواطنين قبل التأكد من فاعلية وأمان اللقاح.
إذن السؤال ليس: هل كانت اللقاحات جيدة أم سيئة؟
السؤال الحقيقي هو:
هل كانت القرارات التي اتخذتها الدولة في ذلك الوقت تستند إلى أفضل الأدلة العلمية المتاحة، وهل جرى تقييم المخاطر والمنافع بصورة كافية، وهل أُنفقت أموال المصريين وفقًا للقانون وبما يحقق المصلحة العامة؟
وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية يتعلق بالبحث العلمي المصري.
فالمصادر توثق أن علماء وأطباء مصريين شاركوا بالفعل في أبحاث وتجارب سريرية مرتبطة بكوفيد-19، منها تجارب في جامعة المنصورة، كما وافقت وزارة الصحة على تجارب سريرية لعلاجات معينة.
لذلك، إذا كانت هناك ادعاءات بأن علاجًا مصريًا أو أبحاثًا مصرية واعدة لم تحصل على الفرصة الكافية للاختبار والتقييم، فيجب أيضًا فتح هذا الملف بالأسماء والمستندات والقرارات، وليس الاكتفاء بالاتهامات العامة.
نحن لا نطالب بمحاكمة شخص لمجرد تصريح إعلامي، وإنما نطالب بأن تكون هناك جهة رقابية وقضائية مختصة تفحص الوقائع كاملة.
إذا أثبت التحقيق وجود مخالفة للقانون، أو إهدار للمال العام، أو تقصير في حماية المواطنين، أو اتخاذ قرارات دون سند علمي أو قانوني كافٍ، فهنا يجب أن يتحمل المسؤول عن القرار مسؤوليته كاملة أمام القانون.
أما إذا أثبتت التحقيقات أن القرارات كانت متوافقة مع القانون والعلم المتاح في ذلك الوقت، فليُعلن ذلك للرأي العام أيضًا.
الشعب المصري لا يريد تصفية حسابات، ولا يريد اتهامات مرسلة.
الشعب يريد الحقيقة.
يريد أن يعرف: كم دُفع؟ ولماذا دُفع؟ ومن قرر؟ وعلى أي أساس علمي؟ وما الذي كانت تعرفه الجهات المسؤولة وقت اتخاذ القرار؟
هذه ليست محاكمة إعلامية لهالة زايد، وإنما مطالبة مشروعة بكشف الحقيقة ومراجعة واحدة من أخطر الملفات الصحية والمالية التي مرت بها مصر خلال السنوات الأخيرة.

تعليقات
إرسال تعليق