تحقيق: سها البغدادي
بينما تتحدث الدولة المصرية عن التحول إلى الاقتصاد الأخضر، ومواجهة تغير المناخ، والتوسع في التشجير، تتجدد في الشارع المصري أزمة أخرى: إزالة الأشجار والمساحات الخضراء القديمة لصالح أعمال التطوير والطرق.
آخر المشاهد جاءت من شارع جامعة الدول العربية بالجيزة، حيث أثارت إزالة أشجار قديمة وتراجع أجزاء من المساحات الخضراء انتقادات واسعة، بالتزامن مع أعمال تطوير وتوسعة الطريق. ووفق ما نشرته وسائل إعلام، وجهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة بحصر الأشجار التي تمت إزالتها، ومعرفة أسباب اللجوء إلى القطع بدلًا من النقل، مع تعويض الأشجار المزالة بأعداد مضاعفة.
لكن السؤال الأهم: لماذا تكون الأشجار المعمرة هي الحلقة الأضعف في مشروعات التطوير؟
الأشجار التي عاشت عشرات السنين ليست مجرد جذوع وأغصان يمكن تعويضها بغرس شتلات جديدة؛ فهي تؤدي وظائف بيئية لا توفرها الشجرة حديثة الزراعة بالسرعة نفسها، من توفير الظل، وتلطيف الحرارة، وتحسين جودة الهواء، وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، فضلًا عن قيمتها البصرية والاجتماعية.
والأكثر إثارة للتساؤل أن الدولة نفسها تضع الحفاظ على المساحات الخضراء والتوسع فيها ضمن أهداف الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، التي تشير صراحة إلى أهمية التشجير في خفض الحرارة وامتصاص ثاني أكسيد الكربون.
الفيوم.. أرقام تحتاج إلى تفسير
خلال فترة تولي أحمد الأنصاري محافظة الفيوم، أعلنت المحافظة رسميًا عن خطط ومبادرات واسعة للتشجير، من بينها توزيع وغرس 221,500 شجرة في عام 2024 ضمن مبادرة «100 مليون شجرة»، كما سبق الإعلان عن زراعة أكثر من 163 ألف شجرة في عام 2023.
في المقابل، نشر موقع «صحيح مصر» مراجعة لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، قال فيها إن مساحة الحدائق والمتنزهات وحدائق الحيوان والأسماك في الفيوم تراجعت من نحو 79.3 ألف متر مربع عام 2020 إلى 900 متر مربع عام 2024، مع انخفاض عدد هذه المواقع من 21 إلى 12. وهذه أرقام تستحق التحقق الرسمي والتفسير، خصوصًا إذا كانت بعض المساحات قد تغير تصنيفها أو استخداماتها خلال مشروعات التطوير.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق تحقيقًا مستقلًا:
هل يكفي أن نزرع مئات الآلاف من الشتلات إذا كنا نفقد في الوقت نفسه أشجارًا ومساحات خضراء ناضجة عمرها عشرات السنين؟
هل قطع الأشجار مخالف للقانون؟
القضية ليست بهذه البساطة. فقانون البيئة المصري رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته يمثل الإطار التشريعي الأساسي لحماية البيئة، بينما توجد تشريعات أخرى تنظم الأشجار الواقعة في نطاقات محددة. لذلك لا يمكن اعتبار كل عملية إزالة لشجرة «جريمة بيئية» تلقائيًا؛ إذ يجب معرفة ملكية المكان، وطبيعة المشروع، والتراخيص والقرارات الصادرة، وأسباب الإزالة، وما إذا كان النقل ممكنًا بدلًا من القطع.
لكن ذلك لا يعني أن الأشجار بلا حماية.
بل إن قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021، على سبيل المثال، ينص على عدم جواز قطع أو قلع الأشجار والنخيل المزروعة على الأملاك العامة ذات الصلة بالموارد المائية والري إلا بترخيص من الجهة المختصة ووفق الضوابط المحددة.
ومن هنا يصبح السؤال القانوني والبيئي المشروع:
عندما تزال أشجار معمرة لصالح مشروع تطوير، هل جرى أولًا بحث بدائل الحفاظ عليها أو نقلها؟ وهل توجد حصر رسمي للأشجار المزالة وأسباب الإزالة وخطة تعويض واضحة؟
وهو السؤال نفسه الذي دفع وزيرة التنمية المحلية والبيئة مؤخرًا إلى مطالبة الجهات المختصة بحصر الأشجار التي أزيلت في شارع جامعة الدول العربية ومعرفة أسباب إزالتها بدلًا من نقلها.
مصر تستعد للمناخ.. فلماذا نخسر الظل؟
مصر من أكثر الدول احتياجًا إلى زيادة الغطاء النباتي داخل المدن، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الكثافات السكانية والعمرانية.
والتحول الأخضر لا ينبغي أن يعني فقط إنشاء مشروعات تحمل وصف «أخضر»، وإنما يجب أن يظهر أيضًا في تصميم الشوارع والميادين ومشروعات الطرق.
فلا معنى للحديث عن مكافحة التصحر والتغير المناخي، بينما تتحول بعض المساحات المفتوحة إلى خرسانة وأسفلت، وتُعامل الأشجار المعمرة باعتبارها عائقًا أمام التطوير بدل اعتبارها جزءًا من البنية التحتية البيئية للمدينة.
والأخطر أن المواطن لا يفقد شجرة فقط؛ بل يفقد الظل، والراحة الحرارية، والمشهد البصري، ومساحة للتنفس، وذاكرة المكان.
التطوير لا يعني بالضرورة إزالة الأخضر
المطلوب ليس تعطيل مشروعات الطرق أو التنمية، وإنما الوصول إلى معادلة أكثر ذكاءً:
طريق أفضل + حركة مرورية أفضل + أشجار محفوظة = تنمية حقيقية.
وإذا تعذر الحفاظ على شجرة بعينها لأسباب فنية حقيقية، فيجب أن يكون القطع هو الخيار الأخير، مع إعلان الأسباب للرأي العام، وحصر الأشجار المزالة، وزراعة بدائل مناسبة، وضمان استمرار المساحة الخضراء وليس مجرد استبدال شجرة معمرة بعشرات الشتلات التي تحتاج سنوات طويلة حتى تؤدي الوظيفة البيئية نفسها.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجهات المختصة:
إذا كانت مصر تتجه إلى العمران الأخضر وتضع زيادة المساحات الخضراء ضمن استراتيجيتها المناخية، فمن يراجع الأثر البيئي لمشروعات التطوير قبل أن تصل الجرافات إلى الأشجار؟
فالمدينة الحديثة ليست التي تملك أكبر عدد من الكباري والطرق فقط، وإنما التي تستطيع أن توفر لمواطنيها هواءً أنظف، وحرارة أقل، وظلًا أكثر، وبيئة تصلح للحياة.

تعليقات
إرسال تعليق