التعليم المصري بين «المعايير الدولية» وواقع المدرسة.. من يحاسب المدير على ما لا يملك؟


تحقيق: سها البغدادي

بينما تتحدث وزارة التربية والتعليم عن تطوير المنظومة المصرية وفق ممارسات ومعايير دولية، تكشف جولات المدارس على الأرض فجوة مؤلمة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للمدرسة المصرية.


ففي سبتمبر الجاري، استعرض وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف التجربة المصرية في إصلاح وتطوير التعليم أمام المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» في نيويورك، موضحًا جهود الوزارة في مواجهة كثافات الفصول وعجز المعلمين ورفع معدلات حضور الطلاب.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي أن نرفع عدد أيام الدراسة وساعاتها حتى نقول إننا نطبق المعايير الدولية؟


الوزير أعلن أن الوزارة رفعت أيام الدراسة الفعلية إلى 183 يومًا بدلًا من 116 يومًا، باعتبار ذلك متماشيًا مع أنظمة تعليمية في دول مختلفة، بهدف توفير الوقت الكافي لشرح المناهج.


وهنا تظهر المفارقة: الوقت عنصر مهم في جودة التعليم، لكنه ليس التعليم كله.


فالمدرسة التي لا تملك عمال نظافة كافيين، أو تعاني نقصًا في الأمن والصيانة، أو لا تتوافر فيها المرافق الأساسية، لا تتحول إلى مدرسة عالمية بمجرد زيادة أيام الدراسة.


واقعة القليوبية تكشف ما وراء الصورة


جولة محافظ القليوبية الأخيرة في عدد من المدارس كشفت بوضوح حجم الفجوة.


في إحدى المدارس، أوضحت المديرة أن المدرسة عانت من مشكلات في المياه والصرف والكهرباء، وأنها والعاملين معها تحملوا نحو 18 ألف جنيه من مواردهم الخاصة لتجهيز المدرسة، بينما كان المبلغ المتاح للمدرسة نحو 5 آلاف جنيه فقط.


وفي مدرسة أخرى، ظهرت مشكلات تتعلق بالنظافة والصيانة والصرف وتجهيز الفناء، وانتهت الجولة باستبعاد مدير مدرسة وتكليفات عاجلة لمعالجة أوجه القصور.


المشكلة هنا ليست في حق المسؤول في محاسبة المقصر، وإنما في سؤال أكثر أهمية:


كيف نحاسب مدير مدرسة على نقص موارد لا يملك قرار توفيرها؟


إذا كان المدير مسؤولًا عن النظافة والصيانة والمرافق والأمن، فمن المنطقي أن يمتلك في المقابل ميزانية وصلاحيات وموارد بشرية كافية تمكنه من تنفيذ هذه المسؤوليات.


المفارقة الأكبر

وزارة التعليم نفسها كانت قد وجهت المديريات في أبريل الماضي إلى الاستعانة بعمالة للنظافة والأمن، وتمويل ذلك من موازنات المديريات، بسبب وجود عجز في هذه الفئات داخل المدارس.


أي أن مشكلة نقص عمال النظافة والأمن ليست اختراعًا إعلاميًا، بل مشكلة كانت الوزارة نفسها تتعامل معها رسميًا.


وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن موازنة التعليم للعام المالي 2026/2027 ارتفعت بنحو 20%، وأن هناك توجهًا لزيادة الاستثمارات في البنية التحتية والصيانة.


وهنا يصبح السؤال المشروع:


أين تصل هذه الزيادة إلى المدرسة نفسها؟


فالزيادة في الموازنة العامة لا تعني تلقائيًا أن كل مدرسة حصلت على الموارد اللازمة لتشغيلها وصيانتها.


المدرسة ليست مبنى فقط

التعليم الجيد يحتاج إلى فصل صالح، ومروحة أو تهوية مناسبة، ومياه وصرف صحي وكهرباء، ودورات مياه نظيفة، وعمال نظافة، وأمن، وصيانة دورية، وفناء آمن، ووسائل تعليمية، ومعلم قادر على أداء مهمته.


أما تحميل المدرسة أعباء إضافية ثم مطالبة مديرها بالنتائج فقط، فيحوّل المدير من قائد تربوي إلى مسؤول عن إدارة نقص الموارد.


والأخطر أن يتحول الأمر إلى تحميل العاملين أعباء مالية من جيوبهم الخاصة؛ وهو أمر يجب ألا يصبح بديلًا عن التمويل الحكومي المنظم.


الحل ليس في العقاب وحده


المطلوب ليس إلغاء المحاسبة، بل ربط المسؤولية بالصلاحيات والموارد.


الحل يبدأ من:


- تخصيص ميزانية تشغيل وصيانة واضحة لكل مدرسة.

- توفير حد أدنى إلزامي من عمال النظافة والأمن.

- إنشاء صندوق طوارئ للصيانة العاجلة.

- توفير مراوح ووسائل تهوية قبل دخول الطلاب، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة.

- منع تحميل مديري المدارس أو المعلمين نفقات تشغيلية من أموالهم الخاصة.

- نشر مؤشرات جاهزية المدارس قبل بداية كل عام دراسي.

- محاسبة المسؤول عن تأخر التمويل أو الصيانة بنفس الجدية التي يُحاسب بها مدير المدرسة.

- جعل تقييم المدير قائمًا على ما يملكه من صلاحيات وموارد، وليس على نتائج لا يستطيع التحكم فيها.

فى النهاية 

التجربة المصرية تستحق أن تُناقش دوليًا، لكن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما يقال على المنصات الدولية، وإنما بما يراه الطفل عندما يدخل مدرسته صباحًا.


المعيار الدولي الحقيقي ليس عدد أيام الدراسة فقط؛ بل جودة البيئة التي يقضي فيها الطفل هذه الأيام.


فإذا كانت المدرسة تحتاج إلى من يدفع فاتورة الكهرباء أو يصلح الصرف أو يوفر النظافة، فالمشكلة ليست في مدير المدرسة وحده.


المشكلة في منظومة يجب أن تسأل أولًا: ماذا أعطينا للمدرسة قبل أن نسألها ماذا أنجزت؟


تعليقات