الفيكس ليس وباءً.. العلم لا يحكم على الأشجار بالإعدام الجماعي

 


بقلم / سها البغدادي


في الوقت الذي تتصاعد فيه في مصر حالة الجدل حول قطع الأشجار المعمرة من الشوارع والميادين، خرج الرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز شؤون البيئة، الدكتور صلاح حافظ، محذرًا من انتشار أشجار «الفيكس نتدا»، واصفًا إياها بأنها تحولت إلى «وباء دخل شوارع مصر»، ومشيرًا إلى أن جذورها قد تخترق وتدمر المواسير الموجودة تحت الأرض، فضلًا عن تعرضها للأمراض.


والرجل صاحب خبرة بيئية لا يمكن تجاهلها، والتحذير من أخطار بعض الأشجار على البنية التحتية ليس اختراعًا ولا قضية وهمية.


لكن السؤال العلمي هنا ليس: هل للفيكس أضرار؟


السؤال الأكثر دقة هو:


هل تكفي هذه الأضرار لوصف شجرة كاملة بأنها «وباء»؟ وهل تعني أن الحل هو قطع الأشجار المعمرة بالجملة؟


هنا يجب أن يتدخل العلم، لا الانطباعات.


نعم.. للفيكس مشكلة حقيقية


لنكن منصفين.


بعض أنواع الفيكس، وعلى رأسها Ficus microcarpa، تمتلك خصائص تجعلها غير مناسبة للزراعة العشوائية في المساحات الحضرية الضيقة.


فالدراسات العلمية تشير إلى أن الأشجار الكبيرة سريعة النمو، ومنها بعض أنواع الفيكس، يمكن أن تتسبب جذورها في أضرار للأرصفة والبنية التحتية عندما تكون مساحة نمو الجذور محدودة، أو عندما تكون الشجرة قريبة جدًا من الأرصفة والمرافق.


بل إن دراسة حديثة على أكثر من 1200 شجرة شارع في مدينة قوانغتشو الصينية وجدت معدلات مرتفعة نسبيًا من أضرار الجذور لدى Ficus microcarpa، وربطت زيادة الضرر بحجم الشجرة ووجود الجذور الدعامية وضيق حيز الزراعة. وفي المقابل، كان اتساع حوض الزراعة عاملًا يقلل احتمالات الضرر.


إذن نعم:


الفيكس قد يصبح مشكلة هندسية عندما يُزرع في المكان الخطأ أو يُترك بلا إدارة.


وهذه نقطة علمية لا خلاف عليها.


لكنها لا تعني أن كل شجرة فيكس في مصر خطر.


المشكلة ليست الشجرة وحدها.. بل المكان


وهنا تقع أهم نقطة في النقاش.


مراجعة علمية واسعة لأضرار جذور أشجار الشوارع توصلت إلى أن الخطر يرتفع عندما تجتمع مجموعة من العوامل: شجرة كبيرة أو سريعة النمو، مساحة تربة محدودة، جذور سطحية، قرب شديد من الأرصفة، ورصف قديم أو متشقق، فضلًا عن وجود مواسير قديمة أو مكسورة أصلًا.


أي أن العلاقة ليست بهذه البساطة:


فيكس = تدمير المواسير.


بل الأقرب علميًا:


نوع الشجرة + حجمها + عمرها + مساحة الجذور + نوع التربة + تصميم الرصيف + حالة شبكة المرافق + المسافة من المنشآت = مستوى الخطر.


وهذا فارق جوهري.


لأن المواسير السليمة والمصممة بطريقة صحيحة ليست بالضرورة ضحية حتمية لأي شجرة، كما أن الأشجار ليست دائمًا السبب الوحيد في تشققات الأرصفة أو تلف شبكات المياه والصرف.


بل إن الأدبيات العلمية نفسها تشير إلى أن بعض أضرار الأرصفة قد ترتبط بضعف مواد الرصف أو التصميم الهندسي، وليس بالجذور وحدها.


إذن.. هل «الفيكس وباء»؟


هنا ينبغي التفريق بين اللغة الإعلامية واللغة العلمية.


«الوباء» مصطلح يرتبط عادة بانتشار مرض أو ظاهرة ضارة بصورة واسعة، وليس تصنيفًا نباتيًا علميًا لشجرة.


أما إذا كان المقصود أن زراعة نوع معين من الفيكس انتشرت بصورة واسعة وعشوائية وأصبحت تسبب مشكلات حضرية في بعض المواقع، فهذه عبارة يمكن مناقشتها ودراستها.


لكن تحويل الوصف إلى حكم شامل على ملايين الأشجار يحتاج إلى دليل أكبر:


كم عدد الأشجار الخطرة فعلًا؟


كم عدد المواسير التي أتلفتها؟


ما نسبة الأضرار المنسوبة للفيكس مقارنة بأسباب أخرى؟


ما أنواع الفيكس المقصودة تحديدًا؟


كم شجرة يمكن إنقاذها بالتقليم أو الحواجز الجذرية أو إعادة تصميم حوض الزراعة؟


وكم شجرة ثبت بالفعل أنها تمثل خطرًا لا يمكن علاجه إلا بالإزالة؟


هذه هي الأسئلة التي يجب أن تجيب عنها أي دراسة وطنية قبل اتخاذ قرار واسع النطاق.


المفارقة المصرية


المفارقة أن العلم لا يقول إن وجود الفيكس في المدينة يعني بالضرورة أنه يجب التخلص منه.


هناك دراسات وأبحاث في مجال الغابات الحضرية تتعامل مع الفيكس نفسه باعتباره شجرة يمكن إدارتها، وتدرس كيفية تقييم سلامتها ومخاطرها وحماية الأشجار المعمرة بدلًا من التعامل مع كل شجرة باعتبارها خطرًا تلقائيًا.


وفي مصر نفسها، استُخدم Ficus microcarpa في دراسة علمية لرصد ملوثات الهواء والعناصر المختلفة في القاهرة والمنوفية؛ أي أن وجوده في البيئة الحضرية لا يعني علميًا أنه مجرد مصدر خطر، بل يمكن أن يكون أيضًا جزءًا من المنظومة البيئية التي تساعد الباحثين على فهم تلوث الهواء.


وهنا نصل إلى نقطة شديدة الأهمية:


الشجرة ليست مجرد جذور تحت الأرض.


هي ظل، وكتلة خضراء، وموئل لكائنات حية، وامتصاص لجزء من الملوثات، وتخزين للكربون، وتحسين للبيئة الحضرية.


لا يجوز أن نستبدل شجرة عمرها نصف قرن بشتلة ثم نقول: عوضناها


إذا ثبت أن شجرة معمرة تهدد مبنى أو خط مرافق رئيسيًا، فإزالتها قد تكون ضرورة.


لكن هناك فارقًا هائلًا بين إزالة شجرة ثبت خطرها وبين إزالة نوع كامل من الأشجار باعتباره خطرًا عامًا.


والأهم أن الشجرة المعمرة لا تُعوض بيئيًا بمجرد وضع شتلة صغيرة مكانها.


فالشتلة تحتاج سنوات طويلة حتى تصل إلى الكتلة الخضراء والحجم والظل الذي كانت توفره الشجرة القديمة.


ولهذا فإن إدارة الأشجار في المدن الحديثة تقوم على مبدأ التقييم وإدارة المخاطر، وليس على القطع الجماعي.


ماذا نريد من الدولة إذن؟


نريد شيئًا بسيطًا جدًا:


قاعدة بيانات وطنية للأشجار.


كل شجرة كبيرة في الشوارع والميادين يجري تسجيل:


- نوعها.

- عمرها التقريبي.

- قطر جذعها.

- حالتها الصحية.

- امتداد جذورها.

- بعدها عن المباني.

- بعدها عن شبكات المرافق.

- درجة خطورتها.

- إمكانية علاج المشكلة دون قطعها.


ثم تصنف الأشجار إلى:


سليمة – تحتاج إلى تقليم – تحتاج إلى معالجة جذور – تحتاج إلى نقل – خطرة وتستوجب الإزالة.


وهكذا يصبح القرار قائمًا على تشخيص علمي لكل شجرة، وليس على اسم النوع وحده.


رسالة إلى صناع القرار


إذا كان الفيكس قد زُرع بكثافة في أماكن غير مناسبة، فهذه ليست جريمة ارتكبتها الأشجار.


إنها في الأساس مشكلة تخطيط وإدارة وتشجير واختيار أنواع ومواقع.


والحل المستقبلي هو تصحيح سياسات التشجير، واختيار الأنواع الملائمة لكل موقع، وتوفير مساحات كافية للجذور، واستخدام حواجز جذرية وحلول هندسية حيثما يلزم، مع إزالة الأشجار التي يثبت بالفعل أنها تشكل خطرًا لا يمكن معالجته.


أما أن تتحول كلمة «فيكس» إلى حكم بالإعدام على شجرة معمرة، فذلك ليس علمًا.


وأخيرًا..


نحن لا ندافع عن الفيكس لأنه فيكس.


ولا نهاجم خبيرًا لأنه حذر من مخاطره.


نحن ندافع عن المنهج العلمي.


إذا كانت هناك أشجار تهدد شبكات الصرف أو المياه أو المباني، فلنقطعها بعد إثبات الخطر.


وإذا كانت هناك أنواع غير مناسبة للزراعة في الشوارع الضيقة، فلنمنع زراعتها مستقبلًا.


لكن الأشجار السليمة التي وقفت عشرات السنين في شوارع مصر لا ينبغي أن تصبح ضحية لتعميم غير مدروس.


العلم لا يقول: اقطعوا الأشجار لأن اسمها فيكس.


العلم يقول:


قيّموا الخطر.. عالجوا ما يمكن علاجه.. واقطعوا فقط ما ثبت أن بقاءه أخطر من إزالته.


ففي زمن تحتاج فيه المدن المصرية إلى المزيد من المساحات الخضراء لمواجهة الحرارة والتلوث والتغير المناخي، لا نحتاج إلى حرب على الأشجار.


نحتاج إلى تشجير أكثر ذكاءً، وإدارة أفضل، وقرارات تستند إلى البيانات لا إلى التعميم.


الفيكس قد يكون مشكلة في المكان الخطأ.. لكنه ليس وباءً يستحق أن نحكم على أشجاره بالإعدام الجماعي.

تعليقات