النيل ليس ساحة للصراع.. لماذا وافقت مصر على 36 مشروعًا مائيًا في دول الحوض الجنوبي بينما تتمسك بحقوقها أمام إثيوبيا؟
تقرير: سها البغدادي
في رسالة سياسية ومائية تحمل أبعادًا استراتيجية مهمة، أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، أن مصر وافقت مؤخرًا على إنشاء 36 مشروعًا في دول حوض النيل الجنوبي، مشددًا على أن القاهرة لا تعارض حق الدول الإفريقية في التنمية، لكنها لن تتنازل عن حقوقها المائية التي تمثل قضية وجودية للأمن القومي المصري.
وجاءت تصريحات وزير الخارجية لتعيد فتح النقاش حول مستقبل الأمن المائي المصري، والفرق بين دعم المشروعات التنموية لدول المنبع، وبين الاعتراض على الإجراءات الأحادية التي قد تؤثر على حقوق دول المصب.
36 مشروعًا.. هل تمثل تهديدًا لحصة مصر من مياه النيل؟
في البداية، من الضروري توضيح حقيقة مهمة: الرقم المعلن لا يعني وجود 36 سدًا عملاقًا تحجز مياه النيل، وإنما يشير إلى حزمة تضم 36 مشروعًا تنمويًا ومائيًا، من بينها أربعة سدود كهرومائية، ومشروعات للحماية من مخاطر المياه، ومشروعات متعددة الأغراض، إلى جانب مشروعات للربط الكهربائي وإمدادات المياه.
ووفقًا لتصريحات وزارة الموارد المائية والري، جاءت الموافقة المصرية بعد دراسة المشروعات وتبادل المعلومات بشأنها، وتقييم آثارها الفنية والبيئية والاجتماعية، والتشاور حولها.
وهنا تظهر نقطة جوهرية؛ فالسدود المخصصة لتوليد الكهرباء لا تستهلك المياه بالضرورة، إذ يمكن تمرير المياه بعد استخدامها في التوربينات، بينما تختلف التأثيرات في حالة مشروعات الري والتخزين والاستهلاك الزراعي.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار هذه المشروعات تهديدًا مباشرًا لحصة مصر لمجرد عددها، كما لا يمكن الجزم بانعدام تأثيرها دون الاطلاع على تفاصيل التخزين والتشغيل والاستهلاك المائي لكل مشروع، فضلًا عن تأثيرها التراكمي.
لماذا لا تعارض مصر سدود دول الحوض الجنوبي؟
تتبنى مصر موقفًا يقوم على عدم معارضة التنمية في دول حوض النيل، انطلاقًا من أن النهر مورد مشترك يمكن أن يمثل أساسًا للتعاون الاقتصادي والتنموي بين شعوبه.
وتعمل القاهرة على تعزيز علاقاتها مع دول الحوض الجنوبي من خلال مشروعات تنموية، ومبادرات تمويلية، وتقديم الخبرات الفنية، ودعم مشروعات مياه الشرب والطاقة والبنية التحتية.
كما أعلنت مصر عن آلية تمويلية مبدئية بقيمة 100 مليون دولار لدراسة وتنفيذ مشروعات تنموية في دول حوض النيل الجنوبي.
ويعكس هذا التوجه رغبة مصر في بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، بدلًا من الدخول في صراعات سياسية حول الموارد المائية.
سد النهضة.. أين يكمن الاختلاف القانوني؟
السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت مصر توافق على إقامة مشروعات مائية وسدود في دول حوض النيل، فلماذا تعترض على النهج الإثيوبي في سد النهضة؟
الإجابة لا تتعلق برفض مصر إقامة السدود في دول المنبع، وإنما بطبيعة الإجراءات المتبعة، ومدى الالتزام بقواعد القانون الدولي للمجاري المائية المشتركة.
فالموقف المصري يستند إلى مجموعة من المبادئ القانونية، أبرزها:
- الاستخدام المنصف والمعقول:طبعا حق كل دولة من دول المجرى المائي في الانتفاع بموارده بصورة عادلة، مع مراعاة احتياجات الدول الأخرى وظروفها.
- عدم التسبب في ضرر ذي شأن: ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لمنع إلحاق أضرار جسيمة بالدول الأخرى، والتعامل مع أي آثار ضارة وفق القواعد القانونية ذات الصلة.
- الإخطار والتشاور المسبق: إتاحة المعلومات والدراسات الفنية للدول المعنية قبل تنفيذ المشروعات التي قد يكون لها تأثير عابر للحدود.
- تبادل البيانات والمعلومات: ضمان وجود قدر كافٍ من الشفافية والتنسيق بشأن تشغيل المنشآت المائية، خاصة في فترات الجفاف والظروف الاستثنائية.
وهذه المبادئ تتسق مع القواعد العامة للقانون الدولي للمجاري المائية، ومن بينها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية.
ومن هذا المنطلق، تؤكد القاهرة أن التنمية حق مشروع لدول المنبع، لكن ممارسة هذا الحق ينبغي ألا تتحول إلى فرض أمر واقع مائي على دول المصب.
الأمن المائي المصري.. لماذا تظل القضية شديدة الحساسية؟
تكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية بالنسبة لمصر، التي تقع تحت خط الفقر المائي، وتعتمد على نهر النيل في أكثر من 98% من مواردها المائية العذبة.
ومع تزايد الاحتياجات السكانية والزراعية والصناعية، تصبح أي تغيرات كبيرة في كميات المياه أو مواعيد وصولها مسألة تتجاوز الحسابات الفنية إلى اعتبارات الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
كما أن التأثير الحقيقي لأي مشروع لا يُقاس بحجم السد وحده، بل بكمية المياه التي يخزنها، ومعدلات الاستهلاك، وطريقة التشغيل، وقدرته على التأثير في التدفقات المائية خلال سنوات الجفاف.
ومن هنا تأتي أهمية وجود آليات دائمة لتبادل البيانات والتنسيق بين دول الحوض، بما يضمن عدم تعرض أي دولة لأضرار يمكن تجنبها.
ماذا تعني الرسالة المصرية سياسيًا؟
تحمل التصريحات المصرية رسالة واضحة إلى دول حوض النيل والمجتمع الدولي، مفادها أن القاهرة ليست ضد التنمية الإفريقية، ولا تسعى إلى حرمان شعوب المنبع من الاستفادة من مواردها الطبيعية.
بل إن مصر تقدم نموذجًا للتعاون من خلال المساهمة في تمويل المشروعات المائية والتنموية، بشرط احترام القواعد القانونية المنظمة للمجاري المائية المشتركة.
وفي المقابل، فإن التمسك بالحقوق المائية المصرية ليس موقفًا تفاوضيًا عابرًا، وإنما يرتبط بحماية احتياجات أكثر من مائة مليون مواطن، والحفاظ على استقرار الدولة وقدرتها على توفير المياه للأجيال القادمة.
التنمية حق للجميع، والأمن المائي ليس محل مساومة
إن الموافقة المصرية على حزمة المشروعات التنموية في الحوض الجنوبي تؤكد أن القاهرة لا تتعامل مع ملف النيل بمنطق المنع أو الاحتكار، وإنما بمنطق التعاون وتحقيق المصالح المشتركة.
لكن هذه الموافقة لا تعني أن كل المشروعات المائية آمنة تلقائيًا، ولا تمثل تنازلًا عن أي حق من الحقوق المائية المصرية.
ويبقى التحدي الحقيقي في ضمان أن تكون التنمية في دول المنبع مكسبًا لشعوب المنطقة بأكملها، لا سببًا في الإضرار بمصالح دول أخرى.
فالنيل ليس ملكًا لدولة واحدة، كما أن الأمن المائي المصري ليس قضية قابلة للمساومة.
التنمية حق مشروع.. والتعاون ضرورة.. وحماية الحقوق المائية التزام لا يجوز التفريط فيه.

تعليقات
إرسال تعليق