بقلم سها البغدادي
لم يكن إبراهيم الرفاعي يشبه الصورة التقليدية للرجل الذي يحمل الموت في يده.
كان زوجًا محبًا، ورجلًا هادئًا وحنونًا في بيته، لكن حين يرتدي زيه العسكري كان يتحول إلى مقاتل من نوع آخر.. مقاتل لا يعرف التراجع، ولا يرى المستحيل إلا كلمة لا مكان لها في قاموسه.
إنه العميد إبراهيم الرفاعي، أحد أبرز قادة الصاعقة المصرية، ومؤسس وقائد المجموعة 39 قتال، التي ارتبط اسمها بأخطر العمليات خلف خطوط العدو خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.
من بين أنقاض النكسة وُلدت أسطورة
بعد نكسة يونيو 1967، لم يكن أمام الجيش المصري سوى إعادة بناء قدراته واستعادة ثقته بنفسه.
وفي ذلك الوقت، برز إبراهيم الرفاعي كواحد من الرجال الذين حملوا على عاتقهم مهمة الرد على العدو.
كانت فكرته واضحة:
لا يكفي أن ندافع عن أرضنا.. يجب أن يعرف العدو أن خلف القناة رجالًا قادرين على الوصول إليه في عقر داره.
ومن هنا جاءت المجموعة 39 قتال، التي ضمت نخبة من رجال الصاعقة والقوات الخاصة، ونفذت عمليات نوعية ضد أهداف إسرائيلية، جعلت اسم الرفاعي مرتبطًا بالخوف في الجانب الآخر.
حتى إن الإسرائيليين أطلقوا عليه لقب «الشبح».
أما رجاله فكانوا ينادونه «أبونا»، لأنه لم يكن بالنسبة إليهم مجرد قائد يصدر الأوامر، بل كان واحدًا منهم، يتقدمهم إلى الخطر قبل أن يطلب منهم مواجهته.
عندما طلبوا صاروخًا.. عاد بثلاثة!
من أشهر الروايات المتداولة عن الرفاعي أنه في إحدى عمليات الاستطلاع والاستيلاء على الأسلحة الإسرائيلية، طُلب منه الحصول على نموذج من صاروخ إسرائيلي حديث لدراسته.
كانت المهمة تبدو محددة.
لكن الرفاعي عاد بما هو أكثر من المطلوب، في مشهد يلخص شخصيته التي جمعت بين الجرأة وروح الدعابة.
كان الرجل يؤمن أن المقاتل الذي يدخل خلف خطوط العدو لا يذهب ليؤدي مهمة روتينية.. بل ليصنع مفاجأة.
معركة «المعدية 6».. رد النار بالنار
وفي 9 مارس 1969، استُشهد الفريق أول عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، أثناء وجوده على الجبهة.
كان الرد المصري قاسيًا.
وشاركت المجموعة 39 قتال في واحدة من العمليات التي استهدفت موقعًا إسرائيليًا بمنطقة «المعدية 6»، في إطار الرد على استشهاد رياض.
دخل رجال الرفاعي أرض العدو، ونفذوا هجومًا عنيفًا على الموقع، في عملية أصبحت واحدة من أشهر عمليات المجموعة خلال حرب الاستنزاف.
كانت الرسالة واضحة:
دماء شهدائنا لن تضيع.. والجيش المصري قادر على الوصول إلى العدو حيثما كان.
«أبو الشهداء».. القائد الذي لم يطلب من رجاله ما لا يفعله
لم يكن الرفاعي من نوعية القادة الذين يقفون بعيدًا عن النار.
كان يتقدم رجاله بنفسه.
ولهذا أحبه مقاتلوه، واحترموه، وأطلقوا عليه لقب «أبونا».
كان يؤمن أن القائد الحقيقي هو الذي يكون أول من يواجه الخطر، وآخر من يترك رجاله.
وخلال سنوات القتال، حصل على عدد من الأوسمة والأنواط العسكرية تقديرًا لشجاعته وقيادته وعملياته.
لكن أعظم أوسمته لم تكن قطعة معدنية تُعلق على الصدر..
بل كانت ثقة رجاله فيه.
الرجل الذي كان «مجنونًا» في المعركة.. ورومانسيًا في بيته
وراء كل هذه الصورة الأسطورية كان هناك رجل آخر لا يعرفه كثيرون.
زوج محب.
رجل حنون.
إنسان له بيت وزوجة ومشاعر وأحلام مثل أي رجل.
ولهذا ربما كانت زوجته تجد صعوبة في تصديق ما تسمعه عن مغامراته العسكرية.
كيف يمكن للرجل الهادئ الذي يجلس بجوارها في البيت أن يكون هو نفسه ذلك المقاتل الذي يذهب إلى قلب مواقع العدو؟
لكنها كانت الحقيقة.
إبراهيم الرفاعي كان يعرف كيف يفصل بين حياته الخاصة وواجبه العسكري.
في البيت.. زوج وأب.
وفي الميدان.. مقاتل لا يعرف الخوف.
آخر المعارك.. أكتوبر 1973
وعندما جاءت حرب أكتوبر، لم يتغير الرجل.
كان في مقدمة المشهد.
واصل قيادة رجاله وتنفيذ المهام القتالية، حتى جاءت اللحظة التي انتهت فيها رحلة واحد من أعظم رجال الصاعقة المصرية.
في 19 أكتوبر 1973، استُشهد إبراهيم الرفاعي خلال معارك حرب أكتوبر، وهو يقود رجاله في مواجهة القوات الإسرائيلية.
رحل الرجل الذي قضى سنوات يبحث عن المعركة..
لكنه ترك خلفه مدرسة كاملة في الشجاعة والانتماء والتضحية.
لم يمت إبراهيم الرفاعي
هناك رجال تنتهي حياتهم عندما يتوقف قلبهم..
وهناك رجال تبدأ أسطورتهم يوم يستشهدون.
إبراهيم الرفاعي من النوع الثاني.
رحل جسده، لكن بقي اسمه في ذاكرة الجيش المصري، وبقيت سيرته بين رجال الصاعقة، وبقيت قصته تُروى جيلًا بعد جيل.
«الشبح» عند العدو..
«أبونا» عند رجاله..
وواحد من أبرز رموز الصاعقة المصرية عند أبناء وطنه.
لم يكن يبحث عن شهرة.
لم يكن ينتظر تمثالًا.
كان يريد شيئًا واحدًا فقط:
أن تبقى مصر قوية.. وأن يعرف العدو أن خلف هذه الأرض جيشًا لا يُستهان به.
ولهذا، عندما نتحدث عن أبطال أكتوبر، لا نتحدث فقط عن أسماء في كتب التاريخ..
بل عن رجال دفعوا أعمارهم ثمنًا للحرية.
ومن بين هؤلاء الرجال يقف اسم إبراهيم الرفاعي شامخًا:

تعليقات
إرسال تعليق