الموانئ المصرية في دائرة النفوذ الإماراتي.. هل تتحول الأزمة الاقتصادية إلى بوابة للسيطرة على شرايين التجارة؟
تحقيق: سها البغدادي
لم تعد الاستثمارات الإماراتية في الموانئ المصرية مجرد صفقات اقتصادية متفرقة، فخلال السنوات الأخيرة توسع الحضور الإماراتي من الاستحواذ على حصص في شركات عاملة بالموانئ إلى الحصول على امتيازات طويلة الأجل وتطوير محطات ومناطق لوجستية وصناعية تمتد من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط.
وتتصدر المشهد شركتا موانئ أبوظبي وموانئ دبي العالمية، في وقت تتحول فيه الموانئ عالميًا من مجرد نقاط لاستقبال السفن إلى مراكز متكاملة للتجارة والتخزين والنقل وإعادة التصدير والصناعة.
وتكمن أهمية الملف في أن مصر لا تمتلك موانئ عادية، وإنما تمتلك موقعًا استثنائيًا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر عبر قناة السويس، ويضعها على واحد من أهم طرق التجارة العالمية.
من سفاجا والسخنة إلى الإسكندرية
بدأ التوسع الإماراتي في مصر عبر شركات النقل والخدمات البحرية، قبل أن يتطور إلى تشغيل محطات والحصول على امتيازات طويلة الأجل.
فقد استحوذت مجموعة موانئ أبوظبي عام 2022 على حصة أغلبية في الشركة المالكة لـ«ترانسمار» و«ترانسكارجو»، ثم حصلت على امتياز لمدة 30 عامًا لتطوير وتشغيل محطة متعددة الأغراض في ميناء سفاجا، إلى جانب اتفاقات لتطوير وتشغيل محطات في البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه تواصل موانئ دبي العالمية توسعها في ميناء العين السخنة والمنطقة اللوجستية المرتبطة به، بما يعزز الوجود الإماراتي في أحد أهم محاور التجارة المصرية.
لكن الصفقة الأكثر حساسية جاءت في الإسكندرية.
ففي نوفمبر 2025 استحوذت موانئ أبوظبي على نحو 19.3% من شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، ثم ظهرت عروض تستهدف رفع الحصة إلى مستويات تمنح المستثمر سيطرة واسعة، وصلت في أحدث ما تم تداوله إلى 90% من أسهم الشركة.
وهنا يجب التمييز بين الأمرين: الحديث ليس عن بيع 90% من «ميناء الإسكندرية»، وإنما عن شركة تدير محطات حاويات في الإسكندرية والدخيلة. إلا أن أهمية الشركة تجعل الصفقة ذات وزن اقتصادي واستراتيجي كبير.
لماذا تهتم الإمارات بالموانئ المصرية؟
الإجابة تبدأ من الجغرافيا.
مصر تقع في قلب واحدة من أهم شبكات التجارة العالمية، وتمتلك قناة السويس وموانئ على البحرين المتوسط والأحمر، فضلًا عن سوق محلية ضخمة وقربها من أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.
وبالنسبة لشركات الموانئ العالمية، فإن امتلاك أو تشغيل محطة ليس الهدف النهائي؛ فالهدف الأكبر هو بناء سلسلة متكاملة تبدأ من السفينة وتنتهي عند المصنع والمخزن والسوق.
ولهذا فإن الاستثمار في الموانئ المصرية يمنح الشركات الإماراتية فرصة للربط بين الموانئ والشحن والخدمات اللوجستية والتخزين والمناطق الصناعية وإعادة التصدير.
ومن هنا يمكن فهم اتساع الاستثمارات الإماراتية باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع لبناء شبكة لوجستية إقليمية تمتد عبر الموانئ والأسواق.
هل ارتبط التوسع الإماراتي بالأزمة المالية المصرية؟
يرى البعض أن الظروف الاقتصادية التي مرت بها مصر، خاصة أزمة الدولار وتزايد أعباء الديون، خلقت بيئة جعلت الدولة أكثر احتياجًا للاستثمارات والسيولة الأجنبية، وبالتالي أكثر انفتاحًا على بيع حصص أو منح حقوق استغلال أصول استراتيجية.
ولا توجد أدلة معلنة تثبت أن الإمارات تستخدم الديون المصرية لفرض صفقات بعينها، لكن قراءة المشهد الاقتصادي تدفع البعض إلى الربط بين احتياجات مصر التمويلية وبين التوسع الإماراتي في شراء الحصص والحصول على الامتيازات.
وهذه القراءة لا تحتاج بالضرورة إلى وثيقة تقول إن «الديون مقابل الموانئ»؛ فالمشهد الاقتصادي نفسه يوضح أن الدولة عندما تواجه ضغوطًا مالية شديدة تصبح قيمة السيولة الفورية أكثر حضورًا في قراراتها الاستثمارية.
وهنا تكمن الحساسية: الدولار الذي تحصل عليه مصر اليوم قد يكون مهمًا لإنقاذ الاقتصاد، لكن الأصل الذي تمنحه في المقابل قد تزداد قيمته عشرات المرات خلال العقود المقبلة.
الأمن القومي.. الخطر في التركّز وليس في الاستثمار
وجود مستثمر أجنبي داخل ميناء مصري لا يعني فقدان السيادة المصرية، كما أن الاستثمار الإماراتي في حد ذاته ليس تهديدًا للأمن القومي.
لكن المخاوف تبدأ عندما يتزايد تركّز المستثمر نفسه في عدد من الموانئ والمحطات والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.
فالموانئ الحديثة لم تعد مجرد أرصفة، وإنما أصبحت جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد والبيانات التجارية.
وكلما زادت حصة جهة واحدة في تشغيل حلقات متعددة من هذه المنظومة، زادت أهمية وجود قواعد تمنع الاحتكار وتحافظ على قدرة الدولة على التدخل في حالات الطوارئ والأزمات.
لذلك فإن القضية ليست جنسية المستثمر، وإنما حجم النفوذ الذي تمنحه له العقود ونسب الملكية ومدد الامتيازات.
الجانب الآخر من الصورة
في المقابل، لا يمكن إنكار أن الاستثمارات الإماراتية قد تحقق فوائد مهمة للاقتصاد المصري، من خلال ضخ العملة الأجنبية وتطوير البنية التحتية ورفع كفاءة الموانئ وجذب خطوط ملاحية وزيادة حركة التجارة والخدمات اللوجستية.
وإذا نجحت مصر في ربط الموانئ بالمناطق الصناعية، فإنها تستطيع الانتقال من مجرد دولة تمر عبرها السفن والبضائع إلى مركز للتصنيع والتجميع وإعادة التصدير.
وهنا يصبح الاستثمار الأجنبي فرصة حقيقية، بشرط ألا يكون الهدف الأساسي هو الحصول على السيولة العاجلة فقط، وإنما تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة لمصر.
الموانئ ليست مجرد أصول للبيع
المشكلة الحقيقية لا تكمن في دخول المستثمر الإماراتي أو غيره، وإنما في طريقة إدارة الدولة لملف الأصول الاستراتيجية.
فالميناء الذي يمنح امتياز تشغيله لعشرات السنين لا ينبغي تقييمه فقط بسعر الصفقة وقت توقيعها، وإنما بقيمته المستقبلية، وحجم الإيرادات التي يمكن أن يحققها، وتأثيره على التجارة المصرية، وشروط السيطرة والتشغيل في أوقات الأزمات.
ومع اتساع الحضور الإماراتي من السخنة وسفاجا إلى الإسكندرية وبورسعيد وغيرها، يصبح من الضروري أن تنظر مصر إلى هذه الاستثمارات باعتبارها ملفًا استراتيجيًا متكاملًا، لا مجموعة صفقات منفصلة.
فى النهاية
الإمارات تنظر إلى الموانئ المصرية باعتبارها جزءًا من شبكة تجارية ولوجستية إقليمية ضخمة، ومصر من جانبها تحتاج إلى الاستثمار والخبرة والسيولة وتطوير بنيتها التحتية.
المعادلة إذن ليست «استثمار إماراتي ضد مصلحة مصر»، كما أنها ليست «أي أموال أجنبية هي مكسب لمصر».
المعادلة الحقيقية هي: كيف تستفيد مصر من رأس المال الإماراتي دون أن تتحول حاجتها إلى السيولة إلى تنازل طويل الأجل عن أصول ذات قيمة استراتيجية متزايدة؟
فمصر تمتلك ما لا يمكن شراؤه بالمال:
الموقع. قناة السويس. البحران. والموانئ التي تربط الشرق بالغرب.
ولهذا فإن حماية المصلحة المصرية لا تعني إغلاق أبواب الاستثمار، وإنما تعني أن تدخل الاستثمارات الأجنبية إلى هذه الموانئ بقواعد تضمن لمصر المال والتكنولوجيا والتنمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على السيطرة الاقتصادية والأمنية على شرايين تجارتها.
تحقيق: سها البغدادي

تعليقات
إرسال تعليق